أحيانًا تمر بنا أيام نشعر فيها بأن كل شيء أصبح صعبًا، وأن كل محاولة نقوم بها لا تكتمل، وأننا كلما حاولنا ترتيب أمورنا جاء ما يعيدها إلى نقطة البداية.
وفي مثل هذه الأوقات أتذكر هذه الأبيات الجميلة المنسوبة إلى الأديب والشاعر السوداني إدريس جماع:
إنّ حظّي كدقيقٍ فوقَ شوكٍ نثروهُ
ثمّ قالوا لحُفاةٍ يومَ ريحٍ إجمعوهُ
صعُبَ الأمرُ عليهمْ قلتُ يا قومِ اتركوهُ
إنّ من أشقاهُ ربّي كيفَ أنتم تسعدوهُ
تحمل الأبيات شيئًا من المبالغة، لكنها تصف شعورًا يعرفه كثير منا عندما تتراكم الظروف، ويصبح الأمر البسيط متعبًا وكأنه يحتاج إلى جهد أكبر من قدرتنا.
وقد مررنا جميعًا بأوقات سألنا فيها أنفسنا: لماذا يحدث هذا معي، ولماذا كلما حاولت الوصول إلى شيء تعقد الأمر أكثر؟
ومع الوقت نتعلم أن الحياة ليست دائمًا كما نريد، وأن هناك أمورًا مهما حاولنا لا نستطيع تغييرها، والحكمة أحيانًا ليست في التمسك بكل شيء، بل في أن نعرف متى نتوقف ومتى نترك الأمر لله.
كم من شيء تمنيناه بشدة، ثم اكتشفنا بعد فترة أن عدم حصولنا عليه كان خيرًا لنا، وكم من باب أُغلق في وجوهنا بالحزن، ثم فتح الله لنا بعده بابًا لم نكن نفكر فيه أصلًا.
لذلك لا ينبغي أن نحكم على حياتنا من خلال الأيام الصعبة وحدها، فاليوم الذي نشعر فيه بأن كل شيء ضدنا ليس بالضرورة الحقيقة كلها، وربما يكون مجرد يوم ثقيل وسيمضي كما مضت أيام كثيرة قبله.
وأحيانًا لا نحتاج إلى حل جميع مشكلاتنا دفعة واحدة، نحتاج فقط إلى أن نهدأ قليلًا، وأن نأخذ الأمور يومًا بيوم، ونترك للغد ما يخصه.
فالدقيق المنثور فوق الشوك لا يُجمع بسهولة، ولا يستحق أن نجرح أقدامنا في سبيل جمعه، وليس كل ما بعثرته الأيام علينا مطلوبًا منا أن نعيده إلى مكانه، كما أن بعض الأشياء حين تذهب تترك لنا مساحة لشيء آخر، ربما يكون أفضل مما كنا ننتظر.
قد نتعب، وقد نحزن، وقد تطول بعض الأمور أكثر مما توقعنا، لكن علينا ألا ننسى أن الله يرى ما لا نراه، وأن تأخر الفرج لا يعني أنه لن يأتي.
وربما نعيش الآن فصلًا من حياتنا لا نفهمه، ونظنه من أصعب الفصول، ثم نكتشف بعد سنوات أنه غيّرنا وعلّمنا وأوصلنا إلى مكان لم نكن نعرف أننا نحتاج إليه.
لذلك إذا ضاقت بك الحياة يومًا، فلا تستعجل الحكم على قصتك من صفحة واحدة، ولا تظن أن ما تعثر اليوم سيبقى متعثرًا إلى الأبد.
امضِ بما تستطيع، واترك ما لا تستطيع لله، وحافظ على قلبك من اليأس، فليس مطلوبًا منك أن تنتصر على كل شيء دفعة واحدة، بل يكفي أن تبقى واقفًا وأن تقول من قلبك: يا رب، ثم تواصل طريقك…



