في هذه الباحةِ المباركةِ، وفي رحابِ هذا المجلسِ الميمون، أجلسُ متأملًا أتصفحُ الوجوهَ وجهًا فوجهًا، وأُقلّبُ فيها نظرَ المتدبّرِ.
آهِ… لقد تقطّبت تلك الوجوهُ برسمِ السنين، وخطّ الزمانُ على ملامحِها أثرَ الأيام؛ عمرٌ أُفنيَ في كدٍّ وسعيٍ حثيثٍ إلى الله عز وجل.
هؤلاء هم المؤمنون الأخيار، الذين يملؤون المساجدَ والمجالسَ برداءِ التقوى، ويعمرون الأوقاتَ بأفعالِ الخير.
أولئك الذين كانت وجوهُهم في سالفِ الأيام نضرةً، وأجسادُهم قويةً فتية، فما أذابوا لحومَهم وشحومَهم إلا في خدمةِ الناسِ وطاعةِ المولى عز اسمه. قاموا ليلَهم يذكرون الله، ويعمرون مجالسَ الذكرِ بالسكينةِ والخشوع، مجسّدين معاني العبوديةِ الخالصة؛ فهم ثلةٌ كلما نظرتَ في وجوهِهم، تداعى إلى ذهنكَ قوله عزّ من قائل:
(يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ).
وكما قال الشريف المرتضى عليه الرحمة في وصف ما أورثه المشيب من وقار:
إن عاقب الشّيب السّوادَ بمَفْرقي
فاللّيل يتلوه الصّباحُ الواضحُ
مَنْ أخْطَأَتْهُ وقد رمتْ قوسُ الرّدى
تبيضُّ منه مفارقٌ ومسائحُ
لو كان للّيلِ البهيمِ فضيلةٌ
لم تُدْنَ منه مقابِسٌ ومصابحُ
البيضُ لِلْعينينِ وجهٌ ضاحكُ
والسّودُ للعينين وجهٌ كالحُ
ولو تأملتَ معي أيها العزيز ونحن في يومِ الجمعةِ المبارك وفي هذا المسجدَ الشريف الذي قامَ على الإيمان، وعمَّره أناسٌ صرفوا أعمارَهم في الطاعةِ والعلمِ والعمل، لشعرتَ بمهابةِ الموقفِ وتحركت فيك مشاعر الأنين.
آه يا لغفلتي! لقد نسيتُ وجهي الذي تقطّب هو الآخرُ بفعلِ السنين… وما يدريك أيها القارئُ العزيز؟ فلعلّ وجهَك أنتَ أيضًا قد تقطّبَ وما شعرت! فاسأل نفسَك: ماذا قدمتَ طوالَ هذا العمر؟ وهل فعلَ بكَ الزمانُ ما فعلَ بهذه الوجوهِ الصالحة؟
كن أنت صانعًا لوجهٍ تعفر وتغير في طاعةٍ ورضا، ولا تكن مصداقًا لقول الشافعي:
أُحِبُّ الصالِحينَ وَلَستُ مِنهُم
لَعَلّي أَن أَنالَ بِهِم شَفاعَه
وَأَكرَهُ مَن تِجارَتُهُ المَعاصي
وَلَو كُنّا سَواءً في البِضاعَه
ختامًا… إنّ ساعةَ تفكّرٍ وتأملٍ واعية قد تعادلُ أيامًا وسنين لست فيها متنبه، فلربما تُعيدُ النفسَ إلى مسارِها الصحيحِ الذي رُسمَ لها.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين.



