لو سألتَ عشرةَ أشخاص عن أجمل سنوات العمر ماذا تظن أنهم يقولون؟ أظن دون مبالغ أن تسعةً من العشرة يقولون سنوات الطفولة أحلى السنوات. سنوات حلوة مثل العسل؛ براءة، أب يحمل الهموم عنك، تلك الأعوام التي قضيناها على شح المال والفقر كانت أعوامًا رائعة.
هذه ليست شكوى لأن نعم الله لا تحصى في كلّ عمر. إنما وصف صفو وخلو بال الإنسان في سنوات الطفولة، مع أن الطفولة لم تعد صافية لكل طفل في العالم في هذه الآونة من الزمن!
سنوات كانت الهموم فيها قليلة بعدد سنوات العمر. لا بيت ولا عائلة ولا مجتمع ولا مسؤولية من أي نوع! لعب ولهو! تجري مثل الحصان البري من الصباح حتى المساء، لا همّ لك من يعيش ومن يموت ومن يمرض. أنت غير مسؤول ولا تستطيع فعل أي شيء أصلًا!
الأفكار صغيرة، الأحلام كبيرة، أجمل البيوت بيت من رمل. "مرحلة السعادة المثالية"، أقصى درجات السعادة والتحرر من الهموم، مشاعر الفرح والحيوية والبراءة في ذروتها، لا نخشى مظهرنا، أو نظرة أصدقائنا إلينا، أو مستوى أدائنا الدراسي.
عندما تكبر، كلهم يريدون منك شيئًا! العمل، العائلة، المجتمع، وغير ذلك من المسؤوليات!
يصف قيس بن الملوح علاقته بليلى في سنوات الطفولة والبراءة:
صَغيرَينِ نَرعى البَهمَ يا لَيتَ أَنَّنا .. إِلى اليَومِ لَم نَكبَر وَلَم تَكبَرِ البَهمُ
ترى الصبايا الجميلات يلعبنَ من حولك كلهنّ أخوات. الشيوخ وكبار السنّ تظن أن بينكَ وبينهم مسافة قرون زمنية، محنية ظهورهم وأنت مثل عود الخيزران! في تلك السنوات حتى الله سبحانه وتعالى لا يحاسبك ولا يؤاخذكَ على الأخطاء والآثام. الأب والأم والناس لا يحاسبونك.
سريعًا تمضي السنوات، نكبر وتكبر الهموم من حولنا. لا عودة إلى الوراء. تتلاشى تلك الأيام من الذاكرة - ببطء ولكن بثبات - ولا سيما الأيام التي كنا نذهب فيها إلى المدرسة؛ حيث الأصدقاء والمعلمون الرائعون واللعب المستمر. كانت أياماً بسيطة وسعيدة ومفعمة بروح الاستكشاف.
هكذا سنة الحياة! عندما كنا صغارًا كنا مستعجلين سنوات الشباب وعندما كبرنا نريد أن نعود أطفالًا وشبانًّا! هيهات هيهات فلقد مضى أمسٌ بما فيه! ما بعد الخمسين والستين من عودة!
كُنَّا نُخَبِّئُ أَحْلَامَ الصِّغَارِ عَلَى .. أَوْرَاقِ وَرْدٍ، وَنَلْهُو دُونَ مَا شَجَنِ
مَا كَانَ يَخْطُرُ فِي بَالِ الفَتَى أَلَمٌ .. وَلَا عَرَفْنَا دُرُوبَ اليَأْسِ وَالمِحَنِ
كُنَّا نُجَالِسُ ضَوْءَ الشَّمْسِ فِي فَرَحٍ .. وَنَرْسُمُ الضِّحْكَةَ البَيْضَاءَ فِي العلنِ
أنت - القارئ الكريم والقارئة الكريمة - لو استطعتَ أن تعود لسنوات الطفولة تعود أم مرةً واحدة تكفي؟



