كثيرا ما نقف أمام بعض القرارات مترددين، لا لأننا نعرف أنها صعبة، ولا لأن أمامنا ما يؤكد أنها ستقود إلى نتيجة سيئة، وإنما لأن الخوف يسبق التجربة، فيبدأ العقل برسم احتمالات كثيرة، بعضها لا وجود له إلا في مخيلتنا.
حدث ذلك معي مرارا. أتردد في الإقدام، وأحسب الخطوة أكثر من مرة، وأفكر في ما قد يحدث إن لم يحالفني التوفيق. ثم أعود إلى منطقة الراحة، وأقنع نفسي بأن التراجع أكثر أمانا، وكأن عدم المحاولة يضمن لنا دائما السلامة.
لكن المدهش أن الصورة تتغير تماما بمجرد أن نخطو الخطوة الأولى، فما إن أتحرك وأمضي قدما، حتى يبدأ ذلك الخوف بالتراجع. وما إن أدخل قلب التجربة، حتى أكتشف أن كثيرا من العقبات التي شغلت تفكيري طويلا لم تكن موجودة أصلا، وأن الأمر الذي بدا لي معقدا كان أبسط بكثير مما تخيلت.
ولعل قول الإمام علي عليه السلام يلامس هذه الحالة بعمق، «إذا هِبتَ أمرًا فقع فيه، فإن شدة توقّيه أعظم مما تخاف منه»..
كم من أمر أخافنا قبل أن نعرفه، وكم من طريق حسبناه محفوفا بالمخاطر، ثم اكتشفنا بعد السير فيه أن أصعب ما واجهناه كان لحظة التردد قبل البداية.
لقد تعلمت أن العقل لا يكتفي أحيانا بتحذيرنا، بل قد يبالغ في رسم الخطر حتى يصبح الاحتمال في أعيننا حقيقة، والوهم عقبة، والخطوة الأولى جبلا يصعب تجاوزه.
ومع ذلك، لا يعني الإقدام أن نلقي بأنفسنا في المجهول بلا حساب. فالحذر مطلوب، والتأني قد يكون حكمة. لكن هناك فرقا بين أن نحسب خطواتنا، وبين أن نترك الخوف يتخذ القرار نيابة عنا.
والأجمل أن بعض التجارب التي نخشى نتائجها، حتى حين لا تأتي كما نريد، قد تحمل لنا ما لم نكن نراه. فقد تكون درسا، أو تصحيحا لمسار، أو تجربة تكشف لنا أننا أقوى مما كنا نعتقد ..
وأحيانا يكون ما نعده ضررا هو نفسه التجربة التي تزيل خوفا قديما استقر في داخلنا، فنكتشف بعد عبوره أننا كنا نخشى شيئا أكبر بكثير من حقيقته.
ربما لا يحتاج الإنسان دائما إلى أن يعرف إلى أين ستؤول الأمور قبل أن يبدأ. أحيانا تكفيه خطوة واحدة ليتبين له الطريق، ويكتشف أن ما كان يراه جدارا محكما لم يكن سوى عثرة صغيرة صنعها القلق في ذهنه او هاجسا عاش معه طويلا ..
فليس كل ما نخافه خطرا، وليس كل ما نتوقعه واقعًا.
وبين الخوف والمحاولة، تقف خطوة واحدة فقط..
خطوة قد تكشف لنا أن أكبر العقبات لم تكن في الطريق، بل في داخلنا.



