حينما يتحول الماء إلى منقذ وقاتل!
ذرة من عنصر الأوكسيجين وذرتان من عنصر الهيدروجين اتحدتا فكان جزيء ماء (H₂O) منه المطر وسقي الدواب والشجر والبشر وكل شيء حي ويدمر أيضًا بإرادة الله سبحانه وتعالى!
ولد نبي الله موسى عليه السلام في زمن فرعون وله، أي لموسى، حكايات جميلة مع الماء. أذكر "بعضها" مجملةً، ليس على سبيل الترتيب:
خافت أمه ساعة ولادتها أن يقتله فرعون الذي كان يقتل الذكور من بني إسرائيل فخاطبهَا الله سبحانه وتعالى: "وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ ۖ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ۖ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ". لا تخافي، لا تحزني يا أم موسى، ألقيه في الماء.
بعد حادثة قتل وخوف وترقب وخروج من وطنه، قرب بئر يسقي منه الرعاة أغنامهم في مدين جلس موسى عليه السلام في الظل ينظر إلى مشهد تدافع الرعاة وفيهم امراتان عاجزتَان عن السقي، يقص القرآن المشهد الجميل التالي: "وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ ۖ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ۖ قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ ۖ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23) فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ".
هل انتهت حكاية موسى مع الماء؟ كلّا! التقى رجلًا، يقال إنه "الخضر" أخذه في رحلة غامضة من أجمل الرحلات. ركب موسى والرجل السفينة وهنا الله سبحانه وتعالى يقول في أحد مشاهد الرحلة: " فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا ۖ قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا". انظر تفاصيل الرحلة في سورة الكهف.
المشهد الأروع حين استحال الماء إلى مصيدة لفرعون وجنوده. تحول عنصر الحياة إلى موت قاتل. توسط فرعون البحرَ "الماء" فأطبق عليه وعلى من معه: "فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ ۖ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (63) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (64) وَأَنجَيْنَا مُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ (65) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ".
نجاته صغيرا في الماء، زواجه في لقاء على سقيا الماء، هلكَ عدوه الأكبر في الماء وسقى قومه الماء: "وَإِذِ ٱسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ فَٱنفَجَرَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ ٱللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ".
كان بنو إسرائيل في أمس الحاجة إلى الماء وهم في وسط صحراء قاحلة، فطلب موسى عليه السلام من الله عز وجل أن يسقي قومه الماء. تقبل الله طلبه، وأمره أن يضرب الحجر بعصاه فانفجرت منه اثنتا عشرةَ عينًا بعدد قبائل بني إسرائيل. كل عين جرت نحو قبيلة بحيث أن كل قبيلة كانت تعرف العين التي تخصها.
ثمّ حكاية جحود قومه بعد اجتياز الماء: "وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ".
ذكر موسى عليه السلام مرات عديدة في القرآن الكريم. يستطيع القراء الكرام أن يتتبعوا حكاياته. حكايات قوة وعظمة وصبر ومعاناة.



