في كلامنا نستعير الألوان للكناية عن معانٍ وأحوالٍ محددة؛ فيقال: «عيشٌ أخضر» كنايةً عن الرخاء والترف، ونقول في لهجتنا الدارجة: «دربك خضر»، دعاءً للآخر بحسن الحظ والتوفيق. ومن ذلك أيضًا قولهم: «موتٌ أحمر»، و«نعمةٌ بيضاء»، و«يومٌ أسود»، و«سوقٌ سوداء» و «رايتك بيضاء» تقال لأهل الخير والمعروف.
وفي الأمثال الشائعة التي تُعنى بالاقتصاد والتدبير قولهم: «خبِّئ قرشك الأبيض ليومك الأسود» وفي عالم التسوق الإلكتروني اليوم، شاع في الإعلانات التجارية مصطلح «تخفيضات الجمعة البيضاء»، وهو مثال معاصر لاستعارة الألوان وإضفاء الدلالات الإيجابية عليها.
ومن أجمل ما قيل في توظيف الألوان قول صفي الدين الحلي:
بِيضٌ صنائعنا سودٌ وقائعنا
خُضرٌ مرابعنا حُمرٌ مواضينا
في بعض البلدان العربية، كنايةً عن صعوبة إيجاد مكان ما، يقولون: «ولا الجن الأزرق يوصل له» وفي وصف شحوب الوجه لعلةٍ أو كآبة وقلق، يحضر اللون الأصفر كعلامة على ذلك الضعف.
أما الوطن، في أيام عيده الـ96، فيتوشّح بالأخضر، رمز النماء والتفاؤل؛ الوطن الذي ما إن يبتعد عنه الإنسان إلا وملأه الشوق والحنين إليه، وقالوا: إذا كان الطائر يحنُّ إلى أوكاره، فالإنسان أحقُّ بالحنين إلى أوطانه.
وقال أحد الفلاسفة: فطرة الرجل معجونةٌ بحبِّ الوطن. وقال آخر: يتروّح العليل بنسيم أرضه، كما تنبت الحبة ببَلَّ القَطْر. ومن غرائب ما قرأت في هذا المعنى: أنَّ العرب إذا غزت أو سافرت حملت معها من تُربة بلدها رملاً وعفرًا تستنشقه عند نزلةٍ أو زكام أو صُداع.
ويجد القارئ الكريم هذه العبارات في رسالة الجاحظ المعنونة بـ«رسالة في الحنين إلى الأوطان»
أختم بأبيات من التراث الأدبي تصوّر ببلاغة ذلك الحنين إلى الأوطان والوفاء لها:
إذا ما ذكرتُ الثغر فاضت مدامعي
وأضحى فؤادي نُهبةً للهماهمِ
حنينًا إلى أرضٍ بها اخضرَّ شاربي
وحُلَّت بها عنّي عقود التمائمِ
وألطفُ قومٍ بالفتى أهلُ أرضه
وأرعاهمُ للمرء حقَّ التقادمِ



