12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

عندما يلبس الأقرباء والغشّاشون ثيابَ المصلحين!


ماذا لو قال إخوة يوسف لأبيهم يعقوب عليه السلام: سوف نرمي أخانا يوسفَ في قعر البئر؟ لن يعود إليك سالمًا؟ ترى هل يرسل يعقوب يوسف معهم؟! المشكلة ليست في الكلمات إنما في نوايا الأشخاص.

لا أعلم! لكنهم في كل الأحوال لبسوا ثياب الناصحين المشفقين. كلمتان وردتا في سورة يوسف عليه السلام: الأولى “لناصحون” جاءت في قوله تعالى: “قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَىٰ يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ”. ثم كلمة “لحافظون” جاءت في قوله تعالى: “أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ”.

“لَحافِظُونَ” أكّدوه بوجوه التأكيد، ثم وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ. يا أبانا اطمئن، لا تخف، نحفظه، ننصحه، ثم ماذا كانت النتيجة؟ كارثة لولا دفع الله سبحانه وتعالى!

يذكر أن إخوة يوسف عليه السلام تابوا إلى ربهم وأصلحوا وقد استغفر لهم يعقوب ويوسف عليهما السلام كما حكى الله عن أبيهم قوله: { سوف أستغفر لكم ربي} بعد قولهم: {يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين} وعن يوسف قوله: {يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين}.

في الناس صلحاء ناصحون يحبون الخيرَ لغيرهم كما يحبونه لأنفسهم لكن من المؤكد أنه كما الخير موجود الشرّ موجود، كما النوايا الطيبة موجودة، النوايا السيئة حية وتتنفس. المظاهر الخداعة موجودة، “تحت السواهي دواهي”، المظهر الناعم من خلفه ذئب في جلد حمل “A wolf in sheep’s clothing”.

هل ينبغي حسن الظن بالناس في هذا الزمان؟ سؤال يحتاج إلى جوابٍ متأني! أعتقد أن الفطنة مطلوبة في كل زمان وربما مطلوبة في زماننا أكثر، لا أعلم!

في كل زمان يوجد الشخص الشهم الذي يقول: “لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ”، “أَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ”. الشخص الشهم الذي يحب الخيرَ للجميع، لا يرضى أن يموتَ يوسف في أرضٍ بعيدة ولا يقبل أن تتلوثَ أيدي إخوته بدم يوسف.

الحمد لله الدنيا بخير. نشاهد ونرى ونسمع ونقرأ عن كلّ الأصناف من الناس ولن يأتي زمان ينقطع فيه الصلاح والأمانة:

مَن يَفعَلِ الخَيرَ لا يَعدَم جَوازِيَهُ .. لا يَذهَبُ العُرفُ بَينَ اللَهِ وَالناسِ

يبقى الحذر نافذة النجاة. أعرف من أتعامل معاه حتى لا أُباع وأُشترى من البعيد الذي يجهلني أو من القريب الذي يعرفني.

جاء في دعاء مكارم الأخلاق، المأثور عن الإمام علي بن الحسين، عليه السلام:

“اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَأَبْدِلْنِي مِنْ بِغْضَةِ أَهْلِ الشَّنَآنِ الْمَحَبَّةَ، وَمِنْ حَسَدِ أَهْلِ الْبَغْيِ الْمَوَدَّةَ، وَمِنْ ظِنَّةِ أَهْلِ الصَّلاحِ الثِّقَةَ، وَمِنْ عَدَاوَةِ الأَدْنَيْنَ الْوَلايَةَ، وَمِنْ عُقُوقِ ذَوِي الأَرْحَامِ الْمَبَرَّةَ، وَمِنْ خِذْلانِ الأَقْرَبِينَ النُّصْرَةَ، وَمِنْ حُبِّ الْمُدَارِينَ تَصْحِيحَ الْمِقَةِ، وَمِنْ رَدِّ الْمُلابِسِينَ كَرَمَ الْعِشْرَةِ، وَمِنْ مَرَارَةِ خَوْفِ الظَّالِمِينَ حَلاوَةَ الأَمَنَةِ”.


error: المحتوي محمي