19 , سبتمبر 2026

القطيف اليوم

شعرتُ بالهرم عندما رحلت أمي

عندما كانت أمي تظلّلنا بروحها وجسدها وأنفاسها الطيبة المباركة، لم أكن أشعر بمرور الأيام والأشهر والسنين، بل كنت أشعر أنني ما زلت أعيش طفولتي وشبابي؛ لأن أمي كانت تشعرني دائمًا بأنني ما زلت طفلًا في نظرها، وأنني ما زلت بحاجة إلى رعايتها وحنانها وأمومتها.

وكم كانت تلك الرعاية التي تنبعث من روح الأم إلى أبنائها نعمةً عظيمة لا تُشترى ولا تُباع، ولا يمكن أن تُقدّر بثمن من أثمان الدنيا. فالأم ليست مجرد إنسانة نعيش معها، بل هي وطنٌ صغير يسكن فينا، وأمانٌ نشعر به دون أن نطلبه، ورحمةٌ من الله تحيط بنا دون أن نشعر بقيمتها إلا عندما نفتقدها.

وفي يوم الجمعة، 29/3/1448هـ الموافق 11/9/2026م، كنت أقف عند بوابة العناية المركزة، أنتظر خروج الطبيب ليبلغني بنجاح العملية، وكان الأمل في داخلي كبيرًا، رغم ما كنت أحمله من هواجس القلق والخوف على أمي.

طال الانتظار، ولساني لم يتوقف لحظة واحدة عن الدعاء والتوسل إلى الله سبحانه وتعالى أن تخرج أمي سالمة معافاة من تلك الغرفة الكئيبة، التي كانت ترهق النفس وتضاعف القلق.

وفجأة، خرج الطبيب.

كان وجهه ساكنًا، لا أستطيع أن أقرأ منه شيئًا، وصمته غريب، وهدوءه باردًا بعض الشيء. ومع ذلك، استبشرت خيرًا، وظننت أن وراء هذا الهدوء بشرى أنتظرها.

قلت له بصوت يرتجف:

أهلًا دكتور... بشرني عن أمي، كيف أصبحت بعد إجراء العملية؟

فقال لي:

ـ هل أنت ابنها؟

أجبته سريعًا:

ـ نعم دكتور.

فسألني عن اسم المريضة، فأخبرته:

ـ ملكة.

وأكملت اسمها، وأنا أردد: نعم، نعم...

ثم قال:

لقد حاولنا إنقاذها، ولكن مع الأسف لم نستطع.

صمتُّ للحظات، وكأنني لم أفهم ما قاله، ثم سألته:

ـ ماذا يعني ذلك يا دكتور؟ هل فشلت العملية؟ ماذا حدث؟

فقال:

عظّم الله أجرك... لقد توفّاها الله.

في تلك اللحظة صرخت بلا شعور:

هل أمي ماتت؟!

فقال: نعم، مع الأسف الشديد.

لم أصدق ما سمعت.

قلت في نفسي: لعل الطبيب مخطئ، لعل هناك مريضة أخرى، لعل ما سمعته ليس صحيحًا... كيف يمكن لأمي أن ترحل بهذه السرعة؟ وكيف يمكن أن تخرج من تلك الغرفة دون أن أسمع صوتها أو أرى وجهها أو أقبّل يديها؟

وفي تلك اللحظة تحديدًا، شعرت أنني شخت وهرمت.

أقولها بكل صدق، والله لا مبالغة في ذلك.

شعرت وكأن عظام جسدي قد تحطمت، ولم أعد قادرًا على الوقوف، ولم أشعر بشيء حولي إلا بإصراري على رؤية أمي.

كنت أريد أن أراها... أن أحتضنها... أن أقبّلها... أن أقول لها إنني أحبها... وأن أسمع صوتها ولو للمرة الأخيرة.

انتظرت قليلًا، ثم أخذوا بيدي لأرى أمي.

كانت مسجاة على السرير، بلا حركة، بلا صوت، بلا نفس.

كان وجهها الطاهر مغطى بغطاء أبيض، فرفعته عن وجهها مباشرة، وحركتها بكل ما بقي فيّ من قوة، وأنا أصرخ:

أماه... أنا ابنك زكريا! قومي يا أمي... قومي! أنتِ قوية يا أمي... لا تتركيني! أحبك يا أمي... لا أستطيع فراقك!

صرخت وصرخت، وكأن صراخي يمكن أن يعيدها إليّ.

وفي تلك اللحظات، حضر شريط الذكريات دفعةً واحدة، دون موعد أو استئذان.

تذكرت طفولتي، وتذكرت اليتم، وتذكرت حنان أمي، وتذكرت يديها وهي ترعاني، وتذكرت خوفها عليّ، وتذكرت اهتمامها بي، وكأنني أعيش كل تلك السنوات من جديد، ولكن هذه المرة من دون أمي.

من دون ذلك الحضن الذي كان يحميني.

من دون ذلك الصوت الذي كان يطمئنني.

من دون تلك الرحمة التي كانت تحيطني بها دون مقابل.

هنا، وفي تلك اللحظة المؤلمة، أدركت حقيقة كنت أعرفها، لكنني لم أعرف عمقها إلا بعد رحيلها:

الأم نعمة ورحمة من الله سبحانه وتعالى، لا يعوّضها شيء، ولا يستطيع الإنسان أن يدرك حجمها الحقيقي إلا عندما يفقدها.

رحيل الأم ليس غياب شخص من حياتنا فحسب، بل هو فقدان جزء من أرواحنا، وانطفاء نافذة من نوافذ الرحمة، وغياب صوت اعتدنا أن يكون حاضرًا في تفاصيل أيامنا.

لقد مضى أسبوع على رحيل أمي، لكنه أسبوع بدا لي كأنه سنوات طويلة.

ساعات وأيام ثقيلة يصعب حملها، ودموع لم تجف منذ أن فارقتنا، ولا أظن أن عيني ستتوقفان عن البكاء عليها ما حييت في هذه الدنيا الفانية.

ستظل أمي معي في روحي، وفي سكناتي وحركاتي، وفي نومي ويقظتي، وفي كل زاوية من زوايا ذاكرتي.

ستكونين معي يا أمي الحنون الغالية في كف دعائي، وفي صلاتي، وفي صومي، وفي حجي، وفي كل عمل صالح أهديه لروحك الطاهرة.

وما يؤلمني أكثر من أي شيء آخر هو فراقك عن عيني؛ فقد خسرت فرصة تقبيل يديك ورأسك وقدميك، وخسرت دعاءك لي في كل صباح ومساء، وخسرت ذلك الصوت الذي كان يحيطني بالأمان دون أن أشعر.

لكنني أعلم أن رحيلك كان بالجسد فقط.

أما روحك، وحبك، وذكرياتك، وتضحياتك، ودعواتك، وأثر يديك في حياتنا، فلن ترحل.

رحلتِ يا أمي جسدًا، وبقيتِ فينا روحًا، وستبقين في قلوبنا ما بقي فينا نفس يتردد، وما بقي لنا في هذه الدنيا من حياة.

رحمكِ الله يا أمي رحمةً واسعة، وأسكنكِ فسيح جناته، وحشركِ مع محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين، وجعل قبركِ روضةً من رياض الجنة، وأنار وحشتكِ، وآنس غربتكِ، ورفع مقامكِ عنده.

اللهم اجزِ أمي عنّا خير ما جزيت أمًّا عن أبنائها، واغفر لها وارحمها، وارفع درجتها، واجمعنا بها في مستقر رحمتك، بحق محمد وآل محمد.

أماه... كنتِ سببًا في أن أشعر أنني ما زلت طفلًا، فلما رحلتِ شعرتُ أنني هرمتُ دفعةً واحدة.

رحمكِ الله يا أمي، فما أقسى أن يعيش الإنسان بعد أمه وهو يشعر أن شيئًا من طفولته قد رحل معها إلى الأبد.


error: المحتوي محمي