حكاية مثل من سوالف الأولين
في سوالف الأولين، كانت الأمثال تختصر حكايات طويلة، وتوصف بها طباع الناس من غير ما يحتاج الواحد يشرح ويطوّل.
ومن الأمثال اللي لها نكهة خاصة في الذاكرة الشعبية:
«لا عن حاله ولا عن باله».
تقال عن رجال، تكون الدنيا شابة حريقة ، والأصوات مرتفعة، والسالفة حامية، وكل واحد من أهل الفريگ داخل في الثاني، وهو جالس في طرف المجلس، لا هزه كلام، ولا شغله خلاف، ولا حتى بان عليه إنه مهتم بالسالفه.
يمكن بيده استكانة شاي، يرفعها ويرجعها على الصحن بهدوء، ويمكن عينه على غير جهة، وكأن اللي صاير ما يخصه.
فيقولون عنه:
«هذا لا عن حاله ولا عن باله».
وحلاوة المثل في كلمتين: الحال والبال.
«لا عن حاله» يعني ما بان عليه شيء؛ لا تحرك، ولا اضطرب، ولا دخل في السالفة.
و«لا عن باله» يعني حتى من داخله ما أخذت السالفة حيّز؛ لا قلق، ولا تفكير، ولا سؤال: وش بيصير؟ ومن الغالب؟ وكيف بتنتهي؟
يعني باختصار:
السالفة عند الناس سالفة، وعنده ولا على باله.
وكان المثل أحيانًا ينقال من باب الطنازة الخفيفة، وأحيانًا فيه عتب؛ خصوصًا إذا كانت السالفة تحتاج رجال يقول كلمة تصلح بين اثنين، أو يوقف موقف يلمّ الشمل، وهو ساكت يتفرج.
لكن اليوم، وبعد ما كثرت السوالف، وصارت الأخبار تدخل علينا من كل باب، يمكن نحتاج نفهم المثل بطريقة ثانية.
مو كل سالفة تستاهل ندخل فيها، ومو كل كلام ينقال في المجلس لازم نشيله معنا للبيت، ومو كل خلاف بين اثنين لازم يصير لنا فيه موقف.
الأولون، من غير فلسفة ولا تنظير، كانوا يعرفون أن للإنسان حالًا وبالًا؛ وإذا سلم حاله من التوتر، وسلم باله من الشغل، عاش أهدأ.
بس الفرق كبير بين واحد حليم يعرف متى يسكت، وواحد ما له في الطيب ولا في الإصلاح.
وهنا جمال المثل؛ لأنه ما يصف الهدوء فقط، بل يصف شخصية يعرفها أهل الديرة زين:
رجال حاضر، لكنه ما يتوتر.
يسمع، لكنه ما يتورط.
يشوف، لكنه ما يركض ورا كل سالفة.
فيقال عنه، بنبرة فيها شيء من الضحكة وشيء من الوصف:
«لا عن حاله ولا عن باله».
وهكذا كانت سوالف الأولين؛
يلتقطون موقفًا صغيرًا من الحياة، ويحطونه في كلمتين، ثم يتركون الزمن يكمل الحكاية.
وقليل من الكلام، كثير من الإنسان.



