13 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

السعادة التامة

الحديث عن السعادة ذو شجون، وإذا سمعت من يزعم في مرحلة من مراحل حياته أنّه وصل إلى ما يطمح وحقق بذلك سعادته التي كان يطلبها، لا يلبث أن يتراجع عن زعمه هذا؛ فالآمال والطموحات تتسع وتكبر، ولا يجتمع لكل إنسان ما يوصله إلى السعادة التامة دون ما يُكدِّر صفوه!

وفي هذا المعنى كنتُ  أقرأ في كتابٍ للأستاذ عباس محمود العقاد بعنوان «وحي الأربعين»، فمرّت بي قصيدته التي تشير إلى حيرة القدر وشكواه من مطالب الإنسان، بعنوان «القدر يشكو». يقول العقاد:

صغيرٌ يطلب الكِبَرا
وشيخٌ ودَّ لو صَغُرا
وخالٍ يشتهي عملًا
وذو عملٍ به ضَجِرا
وربُّ المال في تعبٍ
وفي تعبٍ من افتقرا
ويشقى المرءُ منهزمًا
ولا يرتاحُ منتصرا
ولا يرضى بلا عَقَبٍ
فإن يُعقَبْ فلا وَزَرا

إلى أن يقول:

فهل حاروا مع الأقدار
أو هم حيَّروا القدرا؟
شكاةٌ ما لهم حَكَمٌ
سوى الخصمين إن حضرا.

السعادة التامة مطلب صعب المنال، كما يظهر من مسيرة الإنسان وتجربته في هذه الحياة. وفي عصرنا الحاضر على وجه التحديد، قد يشعر المرء الذي أدمن مشاهدة ما يُعرض على وسائل التواصل الاجتماعي من مظاهر برّاقة لبعضهم، بأن كثيرًا من مُتع الدنيا وبهرجها ينقصه، فلا يكاد يقنع بشيءٍ مما عنده.

وقد عالج الفيلسوف اليوناني أبيقور عبر فلسفته موضوع السعادة؛ إذ يرى أنَّ اتساع رغبات الإنسان في تحصيل اللذة دائمًا، مع تنوّع الحاجات التي لا حدود لها، حرمه من الشعور بهدوء النفس والسكينة، فهو في تعبٍ وشقاء. أما ما يبعث على السعادة في فلسفته فهي اللذة العقلية،وطريقة التفكير والنظرة المعنوية للكون، مع تركيزه المهم على جانبي الصداقة والمعرفة في تحقيق السعادة للإنسان.

لعلّ مفردة «راحة البال» الشائعة على الألسن تختصر عنوان السعادة، وحقيقتها الرضا بما لدينا. والشيء بالشيء يُذكر، كما يقال؛ حين قدِم علينا رجل في أحد المجالس، فقلت له وهو يهم بالجلوس بجانبي: «استريح». فردّ: «ريّح الله بالك». قلت في نفسي: هذا من خير ما يدعو به المرء لأخيه.


error: المحتوي محمي