تُقاس العلاقات الاجتماعية في عمق روابطها بين الناس من خلال وشائج الاحترام وجسور الثقة المتبادلة وعُرى التعاون والإسناد الوجداني والعاطفي والمادي ما أمكن؛ وكلما ازداد الطرفان قدرة على فهم شخصية الآخر وطريقة تفكيره وظروفه الخاصة به والمؤثرة عليه، استطاعا أن يقتربا من بعضهما في مواجهة الظروف الحياتية والأزمات بحيث يكون كل واحد منهما عونا وسندا للآخر، فكلما رأيت حواراً وتجاذبا للحديث أو موقفاً بينهما تتجلى علامات الصدق والتقدير.
ومن الشائع بين الناس وضع مقياس لقوة ومتانة وعمق تلك الصداقة من خلال قياسها بمدى التخفف من الكلفة، حيث إن البساطة في التخاطب والتعامل دون تشديد في القيود الآدابية تعني قوة تلك العلاقة، حتى اشتهرت المقولة: “بين الأصحاب تسقط الآداب”، فتلك الحواجز والموانع من التقدير يراها البعض مبالغة وتشددا لا داعي له.
غير أن هذه المقولة ليست صائبة على إطلاقها، ولابد من التدقيق في معناها ومؤداها وآثارها؛ فإن كان المقصود بسقوط الآداب هو بقاء الاحترام والتقدير مع وجود بساطة في التخاطب وعقد اللقاء، فهذا معنى جيد ولا غبار فيه.
وقد ورد في الروايات الشريفة : ( شر إخوانك من تُكلّف له) ، بمعنى أن تلك العلاقة إن كانت تسير على خيط رفيع ودقيق من التعامل والتخاطب والتشديد فيه، فيكون التخاطب بلا ألقاب والتعامل بأريحية نوعا من قلة الأدب غير المتسامح فيها؛ فهذا يعني أنها إن فُسرت على إطلاقها فذاك ينطوي على خطأ تربوي ومعرفي كبير. وذلك أن رفع الحواجز والقيود الزائدة مع الحفاظ على الاحترام وأدب الحديث هو المطلوب والعامل المؤثر في بلوغ الصداقة القمة في النجاح.
وأما سقوط الآداب بمعنى التجاوز على شخصية الآخر وهضم حقوقه بحجة الأخوة والصداقة فهذا غير صحيح؛ ففرق شاسع بين سقوط الكلفة وسقوط الأدب وعلينا التدقيق في معانيها وحُدودها، فالكلفة هي تلك الرسميات والتصنّع التي تتلاشى طبيعيا مع زيادة الأنس واستشعار التقارب الفكري والنفسي، أما الأدب بمعنى احترام الآخر والحفاظ على مكانته فهو الركيزة الأساسية التي تضمن استمرار العلاقة ونقاءها.
في المنظور التربوي تُعد الصداقة الحقيقية لوناً من ألوان الالتقاء الاجتماعي والتقارب الفكري والوجداني الذي يؤلّف بين نفسين، وهذه العلاقة تفرض احتراما وتقديرا لمختلف المواقف التي تثبت الصدق والمصداقية والوفاء والشهامة في إسناد الصديق في وجه الظروف الصعبة.
ومن الخطأ اعتقاد أن الصداقة الحقيقية رخصة للتجاوز وخرق النصوص الأخلاقية الداعية للحفاظ على الود والمحبة من نافذة الاحترام، وهذا بالطبع يُجرّم ويمنع السخرية الجارحة لمشاعره والمسيئة لشخصيته ومكانته تحت مسميات وهمية كالمزاح. فالمزاح تلطيف للأجواء بين الطرفين، وسحب لدخان الضغوط النفسية والعاطفية، واستعادة للهدوء والاتزان؛ فلا يخفى على أحد ما يعانيه المرء من استنزاف القدرات العقلية والنفسية والوجدانية بسبب ضغوط الدراسة والعمل ورسم الأهداف الحياتية وتبعات العلاقات المهنية والجتماعية، وهذا ما يتطلب وجود محطة تنفيس واستعادة القدرة مجددا على العودة القوية في ميدان الإنجاز والعطاء. وأسلوب المزاح أحد أهم الطرق في سحب الطاقة السلبية وتلك التراكمات والهموم، وهذا لا يعني فتح نافذة للتجاوز على شخصية الصديق والتجاوز على خصوصياته أو الوصاية على أفكاره بأسلوب يستبطن السخرية والتجريح والاستنقاص؛ فالفكاهة ورسم الابتسامة هي المساحة الآمنة التي يتجلى فيها الاحترام بأبهى صوره.



