ليست كلُّ قدرةٍ على الدفع قدرةً على الشراء، وليست كلُّ سلعةٍ نستطيع أخذها بالقسط نستطيع احتمال أثرها على الراتب والادخار. وهنا تبدأ الثقافة المالية الحقيقية: أن نعرف متى نقول لأنفسنا ولأبنائنا بكل هدوء: لا نستطيع شراءه الآن.
فالمشكلة ليست في قلة المال دائمًا، بل في كثرة المقارنة أحيانًا؛ هذا اشترى سيارةً جديدة، وذاك جدّد أثاثه، وأولئك سافروا في الإجازة، فنظن أن علينا أن نسير في الركب ولو كان الطريق إلى الركب يمر من بوابة الدين والكرب.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ﴾ [طه: 131]، وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: 67]. فالمعادلة ليست حرمانًا ولا إسرافًا، بل تقديرٌ واتزان، وعقلٌ قبل الشراء، وحسابٌ قبل الإغراء.
أسرة دخلها عشرة آلاف ريال، عليها إيجار وأقساط ومدارس وفواتير؛ هل من الحكمة أن تشتري هاتفًا بستة آلاف لأن زميل الابن اشتراه؟ أو سيارةً بمئتي ألف لأن سيارة الجار أحدث؟ القدرة على توقيع عقد التمويل لا تعني القدرة الاقتصادية على الشراء؛ فالورقة قد تقبل، ولكن الميزانية قد تختل.
ومن الكلمات المنسوبة إلى أمير المؤمنين علي عليه السلام: «القناعة مالٌ لا ينفد». فالغنى ليس أن تملك كل ما تراه، بل ألا يستعبدك ما تراه.
علّم أبناءك أن عبارة «لا نستطيع شراءه الآن» ليست إعلان فقر، بل إعلان وعي؛ وليست إحراجًا، بل نضجًا؛ وليست منعًا للرغبة، بل حمايةً للأسرة من غلبة الدين وضيق اليقين.
ليس مطلوبًا أن يعيش بيتك كما يعيش الجيران، ولا أن يلبس أبناؤك كما يلبس الأقران؛ فلكل بيتٍ دخل، ولكل دخلٍ حمل، ولكل قرارٍ مالي أثرٌ يمتد من أول الشهر إلى آخر العمر.
فلا تشترِ لتُرى، واشترِ حين تستطيع؛ ولا تستدن لتُرضي الناس، ثم تعيش وحدك في بأس. فالمال إذا أُدير بعقلٍ صار أمانًا، وإذا أُدير بالمقارنة صار عبئًا وأحزانًا.



