14 , سبتمبر 2026

القطيف اليوم

لمعلّمة آمنة.. علّمتنا أكثر من الدرس

قبل خمسة و خمسين عاماً وأكثر ، كانا لمعلمة و لمعلّم جزءً مهماً من حياة الناس و الفريق والقرى في واحة القطيف ، لم تكن المدارس النظامية قد أخذت شكلها وانتشارها الذي نعرفه اليوم، ولذلك كانت بعض البيوت و الأماكن البسيطة تستقبل أولاد وبنات الفريق لتعليمهم القرآن الكريم والقراءة والكتابة ومبادئ الحساب ، وكان من يقوم بهذه المهمة يُعرف بالمعلّم أو المعلّمة، وكان لهما حضور ومكانة في المجتمع، لأنهما لم يكونا يقدمان تعليماً فقط، بل كانا يشاركان في تربية جيل ، وكانت أدوات التعليم بسيطة جداً ، لوح ، وقلم ، وحبر ، ومصحف.

يقرأ و يكتب الطفل على لوحه، ويقرأ ما كتب، ثم يمسح ويعيد الكتابة من جديد ، وكان كثير من الأطفال يبدأون بحفظ وقراءة جزء من القرآن الكريم، ثم ينتقلون إلى بقية أجزاءه ، وبعضهم لديه الإمكانيات و يواصل حتى ختم المصحف كاملاً.

ومع القرآن المجيد، يتعلم الطفل القراءة والكتابة وبعض من مبادئ الحساب، لكن ما كان يتعلمه لم يكن محصوراً في هذه الأمور ، كان يتعلم كيف يجلس، وكيف يستمع، وكيف يحترم معلّمه، وكيف يتعامل مع الآخرين ، فالمعلّم في ذلك الوقت كان قدوة قبل أن يكون معلّماً.

وكان كثير من المعلّمين والمعلّمات معروفين بالطيبة والهدوء والورع والتقوى وحسن التعامل، ولذلك بقيت أسماؤهم وذكرياتهم في أذهان من تعلموا على أيديهم ، وأنا شخصياً عندما أتذكر تلك المرحلة، أتذكر معلمتنا الوقورة الحاجة آمنة بنت حسن العلويات رحمة الله عليها ، أتذكر الطيبة والهدوء والعطف ، قد لا أتذكر اليوم كل ما تعلمته على يديها من حروف أو كلمات، لكنني أتذكر إحساسنا ونحن نجلس (في بيتها المتواضع البسيط ) أمامها، وطريقة تعاملها معنا، وهدوءها الذي كان يجعلنا نشعر بالأمان والإحترام وهو يتعلم.

وهنا أدرك أن بعض ما نتعلمه من لمعلّم لا يكون مكتوباً على اللوح، ولا موجوداً في الكتاب ، نتعلمه من شخصيته ، من صبره ، من صوته ، من طريقة تعامله معنا ، ومن احترامه لنا ، ولهذا أعتقد لمعلّم القديم كان يؤدي دوراً يتجاوز التعليم إلى التربية ، كان الطفل يعيش فترة من يومه في هذا المكان، فيتعلم القرآن والقراءة ومبادئ الحساب، ويتعلم معها النظام والانضباط والأدب.

وكانت الأسرة تنظر إلى لمعلّم بثقة، وترسل أبناءها إليه، لأن العلاقة لم تكن علاقة معلّم بمتعلم فقط، وإنما كانت علاقة تقوم على الثقة والمسؤولية ، وكانت البيوت في بعض الأحيان تتحول إلى أماكن للتعليم ، وجزء للسكن، لكنه في وقت معين يصبح مكاناً يجتمع فيه المتعلمين، وتُفتح فيه الألواح، وتُقرأ فيه الآيات، وتُراجع فيه الدروس ، وهذا يجعلنا نتأمل كيف كانت التربية في ذلك الزمن قريبة من حياة الناس ، صحيح لم تكن هناك وفرة كبيرة في الوسائل والأدوات، لكن كان هناك إنسان يقوم بالدور.

معلّم يعرف المتعلم، ويعرف آبائهم وأمهاتهم وعوائلهم ، ويعرف مجتمعهم، ويشعر بمسؤوليته تجاههم ، ولذلك فإن الحديث عن لمعلّم / لمعلمة ، القديم بالنسبة لي ليس حديثاً عن مهنة من الماضي فقط، وإنما حديث عن إنسان ترك أثراً في أجيال ، وربما لهذا السبب عندما أعود اليوم إلى البيوت القديمة وأوثقها، أتوقف كثيراً عند التفاصيل التي يمكن أن تذكرني بهذه المرحلة ، قد أرى مكاناً مناسباً للجلوس، فأتخيل البنات والصبيان ، وهم يجلسون فيه.

قد أرى جداراً وأتساءل: هل كان هنا لوح يُعلّق؟

وقد أجد أثراً لحبر أو أداة قديمة، فأفكر في اليد التي استخدمتها، وفي الطفل الذي تعلم بها ، وهنا يصبح التصوير بالنسبة لي نوعاً من التوثيق ، أنا لا أوثق شكل البيت فقط، وإنما أحاول أن أوثق الحياة التي كانت تحدث داخله ، أوثق الأشياء، لأنها تقودني إلى الإنسان ، وأوثق المكان، لأنه يحمل ذاكرة من عاشوا فيه ، وأوثق التفاصيل الصغيرة، لأنها قد تكون كل ما بقي لنا من مرحلة كاملة.

وفي هذا الجانب، نجد تشابهاً كبيراً  بين واحة القطيف ؟ وبعض المناطق القريبة ، فالتعليم التقليدي والكتاتيب والمعلّمون أو المطاوعة كانوا جزءً  من الحياة الناس القديمة، وهذا التشابه يعكس قرب المجتمعات وتواصلهما وتأثرهما ببيئة متشابهة ، مع احتفاظ كل مجتمع بخصوصيته.

و ما يهمني ليس فقط كيف كان التعليم، ولا أين كان يتم، ولا ما الأدوات التي استخدمت ، ما يهمني هو الإنسان الذي كان خلف التعليم ، لمعلّم / لمعلمة ، الذي كان يحمل مسؤولية متعلم، وربما لم يكن يعرف وقتها أن كلمة قالها، أو طريقة تعامل بها، ستبقى في ذاكرة ذلك المتعلم عشرات السنين.

وأنا اليوم، بعد كل هذه السنوات، عندما أتذكر معلمتنا الفاضلة الحاجة آمنة رحمها الله، لا أتذكر فقط أنها علمتنا ، أتذكر كيف كانت ترتدي الشيلة ولرده ، وكيف كانت تلفه عليها بوقار وهيبة ، وماتحمله من الطيبة والهدوء والعطف ، وهذا يجعلني أؤمن أن هناك فرقاً بين أن يعلّمنا الإنسان درساً، وبين أن يترك فينا أثراً.

فالدرس قد ننساه ، أما الأثر، فقد يبقى معنا العمر كله ، رحم الله من علمنا ، وكل من علّم أبناءنا حرفاً أو آية أو قيمة ، فربما لم تكن لديهم الوسائل الكثيرة، ولا الفصول الحديثة، ولا الكتب المتنوعة، لكن كان لديهم شيء لا يمكن أن تصنعه الأدوات:

كان لديهم الحضور الحسن ،
والقدوة، والإنسانية ،
وكانا لمعلّم / لمعلمة في ذلك الزمن لا يعلّمنا فقط كيف نقرأ ونكتب ، بل كان، من حيث يشعر أو لا يشعر، يعلّمنا كيف نكون .

Uploaded Image

Uploaded Image


error: المحتوي محمي