السجود صناعة لعقل الإنسان وسلوكه والاتجاه به نحو مستويات من الوعي والفهم للحقائق، كما أنه يتجسد في سلوكياته عندما تمتزج بقيمه ومضامينها الأخلاقية والروحية، فهو ذروة التذلل للحق واستشعار العظمة الإلهية، وإدراك هذه الحقيقة يخلع من القلب الهواجس والقلق من المستقبل المجهول، فمقادير الأمور بيد الله تعالى وتخضع لمشيئته، وهذا ما يجلب الاطمئنان له بعد الأخذ بالأسباب الطبيعية والتوكل على الله تعالى، فالسجود نقطة اتصال وتشابك بين التراب والملكوت الإلهي تساند المصلي في التخلص من أوهام الأنا والاقتدار الذاتي، كما أن ذلك التذلل والخضوع بين يدي الخالق العظيم في محراب العبادة يتحلى منه بأخلاقيات رفيعة وتعاملات حسنة مع الآخرين.
ومن تلك التجليات الأخلاقية انكسار روح الكبرياء وتأليه الذات بعد تمكن العبودية المطلقة في نفسه وفكره، كما أن الأنا قد اندحرت وولّت ولم يعد يسمن في دواخله سوى التواضع ولين الجانب وخفض الجناح، فعندما يضع المصلي جبهته على الأرض فإنه يستشعر العظمة الإلهية فينساق مع تجلياتها في التعامل مع الآخرين بعين الرفق والرحمة، فمن التصق بالتراب سكنت في ذاكرته العلاقة به في مبتدأه ونهايته والسكون بين ذراته.
كما أن السجود يطهر النفس من نوازع الغل والأحقاد والمشاعر السلبية تجاه الآخرين مهما بلغت تلك العلاقة من خلاف أو سوء، فإن استحضار حقيقة التراب ينزع المقامات الزائفة والتوهمات بالاقتدار الذاتي، فأنّى لمن تصاغرت نفسه وتمكنت أعضاؤه من الأرض أن يمتاز بالخيلاء والتفاخر والجبروت واستصغار الغير.
وللسجود النوراني مضمون أخلاقي ينساب بين يدي استشعار العظمة الإلهية وضآلة حجم الدنيا الواسعة في عينه، فتجسد تلك السجدة تجردا كاملا عن متاع الدنيا الزائل وزخارفها، ففي النهاية تحكم هذه الدنيا سنن إلهية وأهمها الرحيل منها بعد انقضاء الأجل، ترتقي نفسه لليوم الآخر ومقعد الصدق عند الباري عز وجل من خلال التمسك بخط العبودية الحقة، وهذا ما يجعل صوت المدح والثناء من الآخرين مصدودا عن أذنيه، إذ إن من ذاق حلاوة القرب ولذة المناجاة ومضمون التذلل والخضوع بين يدي الخالق وطلب رضوانه، تسقط من حساباته بريق الأضواء وكثرة المصفقين لمواقفه.
وهكذا نجد أن العبادة في خريطتها الذهنية مشروع متكامل لإعادة بناء الإنسان من الداخل، فالصلاة التي لا تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولا تغير من سلوكيات وأخلاقيات صاحبها، قد تتحول مع الاستمرار إلى عادة تفقد شيئا فشيئا روحها ومقصدها، فالعبادة الحقيقية تنقل الإنسان من الغفلة والجهالة إلى الوعي وفهم طبيعة الدور الوظيفي المناط به - كمخلوق مكرم في عقله ونفسه -، فيتحرر من أسر الهوى وأغلال الشهوات إلى رحاب العبودية لله تعالى وطلب رفعة النفس ونزاهتها من الرذائل الأخلاقية ومساوئها، فحين يستحضر المصلي مراقبة الله تعالى ويستشعرها في كل تصرفاته وتصوراته، يبدأ بإصلاح علاقته بنفسه فيطهر قلبه من أغلال الأنا والتكبر والحسد وسوء الظن.



