في يوم الجمعة المبارك، رحلت عن دنيانا أمي الغالية، تلك الإنسانة التي لم تكن لنا أمًّا فحسب، بل كانت الأم والأب، وكانت السند والملاذ، وكانت البيت الذي يأوينا، والقلب الذي يتسع لنا جميعًا، واليد التي تمتد إلينا بالعطاء دون انتظار، والروح التي منحت حياتها لأجلنا حتى آخر أنفاسها.
رحلت أمي، فغاب عن أعيننا وجهٌ ألفناه منذ الصغر، وصوتٌ اعتدنا أن نسمعه في تفاصيل أيامنا، وحنانٌ لا يشبهه حنان، لكنّها لم ترحل من قلوبنا، ولن ترحل؛ لأنها تركت فينا من محبتها وتضحياتها وقيمها ما يجعل حضورها مستمرًّا في كل خطوة من خطوات حياتنا. فالأم التي تمنح أبناءها عمرها لا يغيب أثرها بمغادرة الدنيا، بل تبقى حيّةً في وجدانهم، وفي أخلاقهم، وفي كل دعاء يرفعونه إلى الله من أجلها.
أمٌّ حملت مسؤولية الحياة وحدها
يا أمي، كنتِ لنا الأم والأب، بل كنتِ لنا كل شيء، بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى. منذ أن كنا صغارًا، حملتِ مسؤولية تربيتنا ورعايتنا، وواجهتِ مشاق الحياة ومتاعبها بقلب صابر، وعزيمة لا تلين، ومحبة لا تعرف حدودًا.
ضحّيتِ بكل ما تملكين من وقت ومال وجهد وراحة، من أجل أن نكبر ونعيش بكرامة، وأن نجد في الحياة طريقًا آمنًا نمضي فيه. لم تكوني تنظرين إلى ما تبذلينه على أنه تضحية تستحق الشكر، بل كنتِ ترين رعايتنا واجبًا نابعًا من قلب الأم، ومحبةً لا تنتظر مقابلًا.
كبرنا، وكبرت معنا مسؤولياتك، لكنّك لم تتوقفي عن العطاء. انتقلنا من مرحلة الطفولة إلى الشباب، ثم إلى الكهولة، حتى أصبحنا شيوخًا، وبقيتِ في نظرنا تلك الأم الحانية التي ترى أبناءها مهما تقدم بهم العمر بحاجة إلى دعائها واهتمامها وحنانها.
ولم يتوقف عطاؤك عند أبنائك؛ فقد امتدت أمومتك إلى أحفادك واحدًا واحدًا. ربيتهم، ورعيتهم، واحتضنتهم بحبك، وكنتِ لهم مصدر أمان ودفء، كما كنتِ لنا من قبل. وهكذا اتسعت دائرة عطائك، وبقي قلبك مفتوحًا لكل من أحببتِ، دون أن يثقل عليكِ ما بذلتِه، أو تشعري أن للعطاء نهاية.
قلبٌ حسينيٌّ لا يعرف الفتور
يا أمي الغالية، لم تكن علاقتك بأهل البيت عليهم السلام مجرد محبة تُقال باللسان، أو مشاعر تظهر في المناسبات، بل كانت نهج حياة، وإيمانًا راسخًا، وولاءً صادقًا تجسد في سلوكك وعطائك وخدمتك.
كنتِ محبةً وعاشقةً ومواليةً لأهل البيت عليهم السلام، متعلقةً بزيارتهم، حريصةً على أداء حقهم، مهما اشتدت الظروف وتعاظمت الصعوبات. وحتى في أحلك الأوقات وأشدها خطرًا، حين كان الجميع يخافون عليكِ، وينصحونكِ بعدم الذهاب حفاظًا على سلامتك، كنتِ تصرين على الزيارة، وتقولين بثقةٍ وإيمان:
««ليس لنا غنى عن أهل البيت عليهم السلام، فهم النجاة في الدنيا والآخرة».»
كانت هذه الكلمات تختصر شيئًا عظيمًا من قلبك؛ فقد كان حب أهل البيت عليهم السلام عندكِ يقينًا راسخًا، وارتباطًا روحيًا لا تهزه المخاوف، ولا تحول دونه مشقة الطريق.
وما إن يقترب شهر محرم الحرام، حتى يبدأ قلبك بالاستعداد لخدمة سيد الشهداء أبي عبدالله الحسين عليه السلام. كنتِ تسارعين إلى الوقوف مع المجالس الحسينية النسائية والرجالية، كلٌّ بحسب قدرتك، وتبذلين ما تستطيعين من جهد، إيمانًا منكِ بأن خدمة الحسين عليه السلام شرف، وأن البذل في سبيل إحياء أمره منزلة عظيمة.
لم يكن محرم عندكِ موسمًا عابرًا، بل كان موعدًا متجددًا مع الوفاء والعشق الحسيني. كنتِ تعيشين أجواءه بكل جوارحك، وتفرحين بخدمة المعزين وإكرام المشاركين في المجالس، وترين في كل عمل صغير تقدّمينه خطوةً في طريق الولاء والمحبة.
دمعةٌ على الزهراء، وحزنٌ على الحسين
ومن أكثر ما سيبقى راسخًا في ذاكرتنا، يا أمي، تلك الدموع التي كانت تنهمر من عينيكِ كلما ذُكرت السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام، أو ذُكر ابنها الشهيد أبو عبدالله الحسين عليه السلام.
كنتِ تبكين لمجرد ذكر مصابهم، وكأن الحزن على أهل البيت عليهم السلام يسكن أعماق روحك، وكأن مصائبهم لم تكن حكايات تُروى، بل جراحًا حاضرةً في وجدانك. كانت دموعكِ تعبر عن محبة صادقة، وقلبٍ موالٍ، وروحٍ تربت على الوفاء لآل محمد عليهم السلام.
وكم كنتِ تتمنين الخير لأبنائك وأحفادك، وتحرصين على أن ينشؤوا على حب أهل البيت عليهم السلام، وعلى معرفة فضلهم، والاقتداء بأخلاقهم، وخدمة الناس، واحترام الكبير، والرحمة بالصغير، والوقوف إلى جانب المحتاج.
لقد زرعتِ فينا ما استطعتِ من القيم، وكنتِ تذكريننا بأن الولاء ليس شعارًا يُرفع، وإنما أخلاق تُمارس، وعطاء يُبذل، وخدمةٌ للناس، ورحمةٌ بالمحتاجين، وصدقٌ في التعامل، وحسنٌ في السيرة.
أمي.. محبة الفقراء ورفيقة المحتاجين
لم يكن عطاؤكِ مقتصرًا على أبنائك وأحفادك، فقد كان للفقراء والمحتاجين نصيبٌ كبير من قلبكِ ومالكِ واهتمامكِ. كنتِ تحبينهم، وتعطفين عليهم، ولا تنسينهم من عطائكِ المبارك، وتحرصين على أن يصل إليهم ما تستطيعين تقديمه، ولو كان قليلًا في نظر الناس، لكنه عند الله عظيم إذا خرج من قلبٍ مخلص.
كنتِ تدركين أن المحتاج لا يحتاج إلى المال وحده، بل يحتاج كذلك إلى كلمة طيبة، ووجه بشوش، وشعورٍ بأنه ليس منسيًّا في هذه الحياة. ولذلك كان عطاؤكِ يحمل معنى الرحمة، ويمنح من حولكِ إحساسًا بالكرامة والاهتمام.
وما أجمل أن يرحل الإنسان عن الدنيا وقد ترك وراءه قلوبًا تدعو له، وأناسًا يتذكرون إحسانه، وأبناءً يشهدون له بالخير. وأنتِ يا أمي، تركتِ من الذكريات الطيبة والمواقف الإنسانية ما سيبقى شاهدًا على نقاء قلبكِ وكرم روحكِ.
لا تكفي الكلمات للوفاء بحقكِ
يا أمي الغالية، مهما كتبتُ من كلمات، ومهما حاولتُ أن أصف فضلكِ ومكانتكِ، فلن أستطيع أن أوفيكِ حقكِ. كيف يمكن للابن أن يرد جميل أمٍّ منحته عمرها، وأفنت صحتها ومالها وراحتها في سبيل تربيته ورعايته؟ وكيف يمكن للكلمات أن تختصر سنوات طويلة من التعب والصبر والدعاء والعطاء؟
لقد كنتِ لنا نعمةً عظيمة، وربما قصّرنا في التعبير عن امتناننا لكِ، وربما شغلتنا الحياة عن أن نقول لكِ كل ما في قلوبنا. لكننا اليوم، ونحن نقف أمام حقيقة رحيلكِ، ندرك أكثر من أي وقت مضى عظمة ما قدمتِه لنا، وندرك أن فقد الأم ليس فقد شخصٍ عزيز فحسب، بل فقد جزءٍ من الروح، وغياب ركنٍ لا يعوضه أحد.
عذرًا يا أمي إن قصّرتُ في حقكِ، وعذرًا إن حالت مشاغل الحياة دون أن أقول لكِ ما ينبغي أن يقال. أعلم أن محبتكِ لم تكن تنتظر منا جزاءً ولا شكرًا، لكنني أسأل الله أن يجعل كل لحظة تعبٍ عشتِها من أجلنا، وكل دمعةٍ ذرفتِها خوفًا علينا، وكل لقمةٍ أطعمْتِنا إياها، وكل دعاءٍ رفعتِه من أجلنا، نورًا في قبركِ، ورفعةً في درجاتكِ، وثوابًا جاريًا لا ينقطع.
إلى رحمة الله يا أمي
رحلتِ يا أمي في يوم الجمعة المبارك، يومٍ نرجو أن يكون رحيلكِ فيه رحمةً ورضوانًا، وأن يفتح الله لكِ أبواب فضله وكرمه، وأن يجعل مثواكِ الجنة، ومستقركِ الفردوس الأعلى.
رحلتِ عن أعيننا، لكنكِ تركتِ فينا ما لا يموت: محبتكِ، ووصاياكِ، وقيمكِ، وذكرياتكِ، ودعواتكِ، وأثر يديكِ في حياتنا. سنفتقد حضوركِ في تفاصيل أيامنا، وسنشتاق إلى صوتكِ وابتسامتكِ وحنانكِ، لكن عزاءنا أن الله أرحم بكِ منا، وأن ما قدمتِه من خيرٍ ومحبةٍ وولاءٍ وعطاءٍ لن يضيع عنده سبحانه.
يا رب، إن أمي الغالية قد أدّت ما عليها، وأفنت عمرها في رعاية أبنائها وأحفادها، وأحبت أهل بيت نبيك محمد عليهم السلام، وخدمت مجالسهم، وأعانت الفقراء والمحتاجين، وربّت أبناءها على الخير والمحبة والولاء؛ فاللهم اجزها عنّا خير الجزاء، واغمرها برحمتك التي وسعت كل شيء.
اللهم اغفر لها وارحمها، وعافها واعفُ عنها، وأكرم نُزلها، ووسّع مدخلها، واجعل قبرها روضةً من رياض الجنة، وأنر لها فيه، وآنس وحشتها، وارفع مقامها في عليين.
اللهم احشرها مع محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين، واجعلها من الواردات على حوض الكوثر، ومن الفائزات بشفاعة السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام، ومن المجاورات لها في جناتك العالية.
اللهم اجعلها مع الزهراء عليها السلام التي أحبتها وبكت لمصابها، ومع أبي عبدالله الحسين عليه السلام الذي سكن قلبها، ومع أهل البيت عليهم السلام الذين عاشت على محبتهم وولائهم.
يا أمي، لا أملك لكِ اليوم إلا الدعاء، ولا أستطيع أن أرد لكِ جميلكِ إلا بأن أحمل ما غرستِه فينا من قيمٍ وأخلاق، وأن أكون ما تحبين أن ترَي أبناءكِ عليه. سأبقى أذكركِ بالخير، وأدعو لكِ ما حييت، وأرجو أن يصل إليكِ من أعمالنا الصالحة ما يسرّكِ، وأن يكون كل خيرٍ نفعله امتدادًا لذلك الخير الذي زرعتِه فينا.
رحمكِ الله يا أمي رحمةً واسعة، وجعل كل ما بذلتِه في حياتكِ من أجلنا، وكل ما قدمتِه في سبيل أهل البيت عليهم السلام، وكل إحسانٍ منكِ إلى فقيرٍ ومحتاج، ذخيرةً لكِ يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون.
سلامٌ عليكِ يا أمي يوم وُلدتِ، ويوم عشتِ فينا أمًّا وأبًا وسندًا، ويوم رحلتِ إلى رحمة الله، ويوم تُبعثين حيّةً في كرامةٍ ورضوان.
الفاتحة المباركة لروحها الطاهرة، ولأرواح موتانا وموتاكم وموتى المؤمنين والمؤمنات.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
رحلت أمي، فغاب عن أعيننا وجهٌ ألفناه منذ الصغر، وصوتٌ اعتدنا أن نسمعه في تفاصيل أيامنا، وحنانٌ لا يشبهه حنان، لكنّها لم ترحل من قلوبنا، ولن ترحل؛ لأنها تركت فينا من محبتها وتضحياتها وقيمها ما يجعل حضورها مستمرًّا في كل خطوة من خطوات حياتنا. فالأم التي تمنح أبناءها عمرها لا يغيب أثرها بمغادرة الدنيا، بل تبقى حيّةً في وجدانهم، وفي أخلاقهم، وفي كل دعاء يرفعونه إلى الله من أجلها.
أمٌّ حملت مسؤولية الحياة وحدها
يا أمي، كنتِ لنا الأم والأب، بل كنتِ لنا كل شيء، بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى. منذ أن كنا صغارًا، حملتِ مسؤولية تربيتنا ورعايتنا، وواجهتِ مشاق الحياة ومتاعبها بقلب صابر، وعزيمة لا تلين، ومحبة لا تعرف حدودًا.
ضحّيتِ بكل ما تملكين من وقت ومال وجهد وراحة، من أجل أن نكبر ونعيش بكرامة، وأن نجد في الحياة طريقًا آمنًا نمضي فيه. لم تكوني تنظرين إلى ما تبذلينه على أنه تضحية تستحق الشكر، بل كنتِ ترين رعايتنا واجبًا نابعًا من قلب الأم، ومحبةً لا تنتظر مقابلًا.
كبرنا، وكبرت معنا مسؤولياتك، لكنّك لم تتوقفي عن العطاء. انتقلنا من مرحلة الطفولة إلى الشباب، ثم إلى الكهولة، حتى أصبحنا شيوخًا، وبقيتِ في نظرنا تلك الأم الحانية التي ترى أبناءها مهما تقدم بهم العمر بحاجة إلى دعائها واهتمامها وحنانها.
ولم يتوقف عطاؤك عند أبنائك؛ فقد امتدت أمومتك إلى أحفادك واحدًا واحدًا. ربيتهم، ورعيتهم، واحتضنتهم بحبك، وكنتِ لهم مصدر أمان ودفء، كما كنتِ لنا من قبل. وهكذا اتسعت دائرة عطائك، وبقي قلبك مفتوحًا لكل من أحببتِ، دون أن يثقل عليكِ ما بذلتِه، أو تشعري أن للعطاء نهاية.
قلبٌ حسينيٌّ لا يعرف الفتور
يا أمي الغالية، لم تكن علاقتك بأهل البيت عليهم السلام مجرد محبة تُقال باللسان، أو مشاعر تظهر في المناسبات، بل كانت نهج حياة، وإيمانًا راسخًا، وولاءً صادقًا تجسد في سلوكك وعطائك وخدمتك.
كنتِ محبةً وعاشقةً ومواليةً لأهل البيت عليهم السلام، متعلقةً بزيارتهم، حريصةً على أداء حقهم، مهما اشتدت الظروف وتعاظمت الصعوبات. وحتى في أحلك الأوقات وأشدها خطرًا، حين كان الجميع يخافون عليكِ، وينصحونكِ بعدم الذهاب حفاظًا على سلامتك، كنتِ تصرين على الزيارة، وتقولين بثقةٍ وإيمان:
««ليس لنا غنى عن أهل البيت عليهم السلام، فهم النجاة في الدنيا والآخرة».»
كانت هذه الكلمات تختصر شيئًا عظيمًا من قلبك؛ فقد كان حب أهل البيت عليهم السلام عندكِ يقينًا راسخًا، وارتباطًا روحيًا لا تهزه المخاوف، ولا تحول دونه مشقة الطريق.
وما إن يقترب شهر محرم الحرام، حتى يبدأ قلبك بالاستعداد لخدمة سيد الشهداء أبي عبدالله الحسين عليه السلام. كنتِ تسارعين إلى الوقوف مع المجالس الحسينية النسائية والرجالية، كلٌّ بحسب قدرتك، وتبذلين ما تستطيعين من جهد، إيمانًا منكِ بأن خدمة الحسين عليه السلام شرف، وأن البذل في سبيل إحياء أمره منزلة عظيمة.
لم يكن محرم عندكِ موسمًا عابرًا، بل كان موعدًا متجددًا مع الوفاء والعشق الحسيني. كنتِ تعيشين أجواءه بكل جوارحك، وتفرحين بخدمة المعزين وإكرام المشاركين في المجالس، وترين في كل عمل صغير تقدّمينه خطوةً في طريق الولاء والمحبة.
دمعةٌ على الزهراء، وحزنٌ على الحسين
ومن أكثر ما سيبقى راسخًا في ذاكرتنا، يا أمي، تلك الدموع التي كانت تنهمر من عينيكِ كلما ذُكرت السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام، أو ذُكر ابنها الشهيد أبو عبدالله الحسين عليه السلام.
كنتِ تبكين لمجرد ذكر مصابهم، وكأن الحزن على أهل البيت عليهم السلام يسكن أعماق روحك، وكأن مصائبهم لم تكن حكايات تُروى، بل جراحًا حاضرةً في وجدانك. كانت دموعكِ تعبر عن محبة صادقة، وقلبٍ موالٍ، وروحٍ تربت على الوفاء لآل محمد عليهم السلام.
وكم كنتِ تتمنين الخير لأبنائك وأحفادك، وتحرصين على أن ينشؤوا على حب أهل البيت عليهم السلام، وعلى معرفة فضلهم، والاقتداء بأخلاقهم، وخدمة الناس، واحترام الكبير، والرحمة بالصغير، والوقوف إلى جانب المحتاج.
لقد زرعتِ فينا ما استطعتِ من القيم، وكنتِ تذكريننا بأن الولاء ليس شعارًا يُرفع، وإنما أخلاق تُمارس، وعطاء يُبذل، وخدمةٌ للناس، ورحمةٌ بالمحتاجين، وصدقٌ في التعامل، وحسنٌ في السيرة.
أمي.. محبة الفقراء ورفيقة المحتاجين
لم يكن عطاؤكِ مقتصرًا على أبنائك وأحفادك، فقد كان للفقراء والمحتاجين نصيبٌ كبير من قلبكِ ومالكِ واهتمامكِ. كنتِ تحبينهم، وتعطفين عليهم، ولا تنسينهم من عطائكِ المبارك، وتحرصين على أن يصل إليهم ما تستطيعين تقديمه، ولو كان قليلًا في نظر الناس، لكنه عند الله عظيم إذا خرج من قلبٍ مخلص.
كنتِ تدركين أن المحتاج لا يحتاج إلى المال وحده، بل يحتاج كذلك إلى كلمة طيبة، ووجه بشوش، وشعورٍ بأنه ليس منسيًّا في هذه الحياة. ولذلك كان عطاؤكِ يحمل معنى الرحمة، ويمنح من حولكِ إحساسًا بالكرامة والاهتمام.
وما أجمل أن يرحل الإنسان عن الدنيا وقد ترك وراءه قلوبًا تدعو له، وأناسًا يتذكرون إحسانه، وأبناءً يشهدون له بالخير. وأنتِ يا أمي، تركتِ من الذكريات الطيبة والمواقف الإنسانية ما سيبقى شاهدًا على نقاء قلبكِ وكرم روحكِ.
لا تكفي الكلمات للوفاء بحقكِ
يا أمي الغالية، مهما كتبتُ من كلمات، ومهما حاولتُ أن أصف فضلكِ ومكانتكِ، فلن أستطيع أن أوفيكِ حقكِ. كيف يمكن للابن أن يرد جميل أمٍّ منحته عمرها، وأفنت صحتها ومالها وراحتها في سبيل تربيته ورعايته؟ وكيف يمكن للكلمات أن تختصر سنوات طويلة من التعب والصبر والدعاء والعطاء؟
لقد كنتِ لنا نعمةً عظيمة، وربما قصّرنا في التعبير عن امتناننا لكِ، وربما شغلتنا الحياة عن أن نقول لكِ كل ما في قلوبنا. لكننا اليوم، ونحن نقف أمام حقيقة رحيلكِ، ندرك أكثر من أي وقت مضى عظمة ما قدمتِه لنا، وندرك أن فقد الأم ليس فقد شخصٍ عزيز فحسب، بل فقد جزءٍ من الروح، وغياب ركنٍ لا يعوضه أحد.
عذرًا يا أمي إن قصّرتُ في حقكِ، وعذرًا إن حالت مشاغل الحياة دون أن أقول لكِ ما ينبغي أن يقال. أعلم أن محبتكِ لم تكن تنتظر منا جزاءً ولا شكرًا، لكنني أسأل الله أن يجعل كل لحظة تعبٍ عشتِها من أجلنا، وكل دمعةٍ ذرفتِها خوفًا علينا، وكل لقمةٍ أطعمْتِنا إياها، وكل دعاءٍ رفعتِه من أجلنا، نورًا في قبركِ، ورفعةً في درجاتكِ، وثوابًا جاريًا لا ينقطع.
إلى رحمة الله يا أمي
رحلتِ يا أمي في يوم الجمعة المبارك، يومٍ نرجو أن يكون رحيلكِ فيه رحمةً ورضوانًا، وأن يفتح الله لكِ أبواب فضله وكرمه، وأن يجعل مثواكِ الجنة، ومستقركِ الفردوس الأعلى.
رحلتِ عن أعيننا، لكنكِ تركتِ فينا ما لا يموت: محبتكِ، ووصاياكِ، وقيمكِ، وذكرياتكِ، ودعواتكِ، وأثر يديكِ في حياتنا. سنفتقد حضوركِ في تفاصيل أيامنا، وسنشتاق إلى صوتكِ وابتسامتكِ وحنانكِ، لكن عزاءنا أن الله أرحم بكِ منا، وأن ما قدمتِه من خيرٍ ومحبةٍ وولاءٍ وعطاءٍ لن يضيع عنده سبحانه.
يا رب، إن أمي الغالية قد أدّت ما عليها، وأفنت عمرها في رعاية أبنائها وأحفادها، وأحبت أهل بيت نبيك محمد عليهم السلام، وخدمت مجالسهم، وأعانت الفقراء والمحتاجين، وربّت أبناءها على الخير والمحبة والولاء؛ فاللهم اجزها عنّا خير الجزاء، واغمرها برحمتك التي وسعت كل شيء.
اللهم اغفر لها وارحمها، وعافها واعفُ عنها، وأكرم نُزلها، ووسّع مدخلها، واجعل قبرها روضةً من رياض الجنة، وأنر لها فيه، وآنس وحشتها، وارفع مقامها في عليين.
اللهم احشرها مع محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين، واجعلها من الواردات على حوض الكوثر، ومن الفائزات بشفاعة السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام، ومن المجاورات لها في جناتك العالية.
اللهم اجعلها مع الزهراء عليها السلام التي أحبتها وبكت لمصابها، ومع أبي عبدالله الحسين عليه السلام الذي سكن قلبها، ومع أهل البيت عليهم السلام الذين عاشت على محبتهم وولائهم.
يا أمي، لا أملك لكِ اليوم إلا الدعاء، ولا أستطيع أن أرد لكِ جميلكِ إلا بأن أحمل ما غرستِه فينا من قيمٍ وأخلاق، وأن أكون ما تحبين أن ترَي أبناءكِ عليه. سأبقى أذكركِ بالخير، وأدعو لكِ ما حييت، وأرجو أن يصل إليكِ من أعمالنا الصالحة ما يسرّكِ، وأن يكون كل خيرٍ نفعله امتدادًا لذلك الخير الذي زرعتِه فينا.
رحمكِ الله يا أمي رحمةً واسعة، وجعل كل ما بذلتِه في حياتكِ من أجلنا، وكل ما قدمتِه في سبيل أهل البيت عليهم السلام، وكل إحسانٍ منكِ إلى فقيرٍ ومحتاج، ذخيرةً لكِ يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون.
سلامٌ عليكِ يا أمي يوم وُلدتِ، ويوم عشتِ فينا أمًّا وأبًا وسندًا، ويوم رحلتِ إلى رحمة الله، ويوم تُبعثين حيّةً في كرامةٍ ورضوان.
الفاتحة المباركة لروحها الطاهرة، ولأرواح موتانا وموتاكم وموتى المؤمنين والمؤمنات.
إنا لله وإنا إليه راجعون.



