12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

من لا يتعلّم من الألم سيكرّر الثمن

الذي لا يتألّم قد لا يتعلّم، ولكن المصيبة ليست في الألم، بل فيمن يتألّم ثم لا يتعلّم، ويسقط ثم لا يتبصّر، ويخسر ثم لا يتدبّر، وتأتيه الرسالة مرّةً بعد مرّة، فيقرأ الوجع ولا يفهم الخبر.

فالحياة ليست أيامًا تمضي، بل دروسٌ تُقضى، وتجاربُ تُروى، وعِبَرٌ لمن وعى. والإنسان العاقل لا يحتاج أن يجرّب كل نارٍ ليعلم أنها تحرق، ولا أن يسلك كل طريقٍ مسدود ليعلم أنه لا يُطرق، ولا أن يخسر كل ماله ليتعلّم الاقتصاد، ولا أن يفقد كل أحبابه ليتعلّم الوفاء والاحتياط.

وقد جعل الله في قصص السابقين مدرسةً للأحياء، فقال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: 111].
ولم يقل: قصصٌ للتسلية والسَّمر، بل قال: عبرة لأولي الألباب؛ أي إن القصة لا تؤتي ثمرتها لمن يقرأ أحداثها فقط، بل لمن يقرأ ما وراء أحداثها، وما تحت سطورها، وما انتهت إليه أمورها.

وقال تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: 2].
والاعتبار هو أن ترى ما وقع بغيرك، فتقيس عليه حالك، وأن تسمع عن سقوط سواك، فتحذر موضع زلّته، وأن تشاهد نجاح غيرك، فتبحث عن سرّ همّته، فلا تمرّ على التجارب مرور الغافلين، بل مرور المتعلّمين المتأملين.

وفي التاريخ قصص نجاح تُشعل الهمم، وقصص فشل تُوقظ الفِطَن. من الناجحين نأخذ الطاقة لا الغيرة، والمنهج لا الصورة، والإصرار لا التقليد. ومن الفاشلين نأخذ العبرة لا الشماتة، والحذر لا السخرية، والدرس لا الإدانة.

فقد ينجح إنسان لأنه صبر حين استعجل الناس، وخطّط حين ارتجلوا، وادّخر حين أسرفوا، وتواضع حين تكبّروا، وتعلّم حين ظنّ غيره أنه قد اكتفى. وقد يفشل آخر لأنه كرّر الخطأ، وأهمل الإشارة، وكابر النصيحة، وظنّ أن قوانين الحياة تنطبق على الناس جميعًا إلا عليه.

وهنا تكمن المشكلة: نقرأ عن رجلٍ أهلكته الديون ثم نقول: أنا غيره، ونسمع عن أسرةٍ مزّقها النزاع ثم نقول: بيتنا مختلف، ونرى تجارةً أفشلها التوسّع غير المحسوب ثم نقول: مشروعي استثناء، ونشاهد من أضاع صحته بالإهمال ثم نظنّ أن أجسادنا لا تعرف الفناء.

ولهذا قال سبحانه: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [آل عمران: 137].

إنها دعوة إلى قراءة السنن قبل الوقوع في المحن، والنظر في النهايات قبل اتخاذ البدايات؛ فالحكيم لا يكتفي بأن يسأل: ماذا فعلوا؟ بل يسأل: لماذا نجحوا؟ ولماذا فشلوا؟ وأين كانت نقطة التحوّل؟ وأين بدأت أول زلّة في الطريق؟

ليست البطولة أن تقول: سأجرّب بنفسي في كل شيء، فبعض التجارب ثمنها مال، وبعضها صحة، وبعضها عمر، وبعضها أسرة، وبعضها سمعة، وبعضها خسارة لا يُعيدها الاعتذار ولا يصلحها الانتظار.

العاقل يتعلّم من ألمه، والأحكم منه يتعلّم من ألم غيره، والأكثر حكمةً من يجعل قصص الناس مرايا يرى فيها مستقبله قبل أن يصل إليه.

فخذ من الناجح همّته، ومن المتعثّر عبرته، ومن الماضي حكمته، ومن القرآن بصيرته؛ لأن الحياة قصيرة على أن نرتكب كل الأخطاء بأنفسنا، والعمر أغلى من أن ندفع ثمن الدرس مرتين.

ومن تألّم فتعلّم فقد ربح من وجعه حكمة،
أما من تألّم ولم يتعلّم، فقد خسر الألم… وخسر معه العبرة.


error: المحتوي محمي