هناك جيل يفصل بيننا وبينه بضع سنوات قليلة، ولكنه في أعيننا كان يمثل زمنًا جميلًا من الجد والاجتهاد والطموح؛ جيلًا سبقنا في مقاعد الدراسة وخطوات الحياة، فكنا ننظر إليه بعين الإعجاب والتقدير، ونرى في رجاله نماذج تستحق أن تُحتذى.
جيل لا يزال بعض أفراده بيننا، ينعمون بفضل الله بالحياة والعطاء؛ فمنهم المعلم والطبيب والمهندس، ومنهم الموظف، ومنهم صاحب المكانة المرموقة، ومنهم العامل المكافح، ومنهم من واصل مسيرته في ميادين العلم والعمل حتى بلغ ما تمنى وسعى إليه، ومنهم من رحل عن دنيانا إلى جوار ربه، نسأل الله تعالى أن يتغمدهم بواسع رحمته ومغفرته.
جيل ترك بصمات لا تُنسى، كانوا قد سبقونا في الدراسة؛ فمنهم من واصل تعليمه الثانوي ثم الجامعي، ومنهم من اتجه إلى العمل والتوظيف، ومنهم من التحق ببرامج الابتعاث التي كانت تقدمها مؤسسات الدولة، حفظها الله، أو الشركات الوطنية، وفي مقدمتها شركة أرامكو. كما سافر بعضهم إلى خارج الوطن طلبًا للعلم والمعرفة، سواء للدراسة الجامعية أو الدراسات العليا، على نفقة الدولة أو الشركات أو على حسابهم الخاص.
ذلك الجيل كان بالنسبة لنا مدرسة قائمة بذاتها. كنا نراهم وهم يحملون طموحاتهم، ويتحركون بنشاط وحماس، ويجتهدون في أعمالهم ودراستهم، سواء داخل المملكة أو في مختلف بقاع أرض الله الواسعة، وكان في نجاحهم ما يشعل في نفوسنا الحماس، وفي خطواتهم ما يرسم لنا الطريق.
لقد كانوا جيل القدوة بالنسبة لنا، رافقنا أثرهم طوال سنوات الدراسة في المرحلة المتوسطة والثانوية، بل وحتى المرحلة الجامعية بالنسبة لبعضنا. وكان آباؤنا وأمهاتنا ينظرون إليهم بفخر، ويحدثوننا عنهم، ويضربون لنا بهم الأمثال، لا بقصد المقارنة التي تُضعف النفس، بل من أجل التشجيع والتحفيز.
كانوا يقولون لنا، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة:
اجتهدوا، فأنتم قادرون على أن تصلوا إلى ما وصل إليه من سبقكم.
وكان لهذه الكلمات أثر عظيم في نفوسنا؛ فقد زرعوا فينا الثقة، وأشعرونا بأن النجاح ليس بعيدًا، وأن الطموح حق مشروع لكل إنسان يسعى ويجتهد. كانوا يشدون بأيدينا، ويوجهوننا، ويزرعون الحماس في داخلنا، حتى أصبحنا نؤمن بأننا قادرون على تحقيق أحلامنا.
وما زلت أتذكر كلمات والدي، رحمه الله، التي كانت تسكن قلبي وترافقني في خطواتي، إذ كان يقول لي دائمًا:
يا بُني أحمد، اجتهد وانجح، وسوف تذهب وتسافر وتدرس مثل زملائك وجيرانك.
وكان، رحمه الله، يذكر لي أسماء بعض الشباب الذين سبقونا في الدراسة والسفر، وكأنه يرسم أمامي صورة للمستقبل ويقول لي: إن الطريق مفتوح أمامك، وما وصل إليه غيرك تستطيع الوصول إليه بالجد والاجتهاد والإرادة.
وبفضل الله سبحانه وتعالى أولًا، ثم بدعوات الوالد والوالدة، تحقق الكثير مما كانا يحلمان به ويتمنّيانه. ولم تكن هذه المشاعر خاصة بي وحدي، بل كانت صورة نراها في كثير من البيوت، حيث كان الآباء والأمهات يحيطون أبناءهم بالتشجيع والدعاء والأمل، ويشاركونهم أحلامهم وطموحاتهم.
وما زالت في نفسي رغبة كبيرة في أن أذكر أسماء أولئك الذين كانوا يمثلون بالنسبة لي نماذج مضيئة وقدوات حقيقية في تكوين الشخصية والاعتماد على النفس؛ فقد استمددت من بعضهم الحماس، ومن بعضهم العزم، ومن آخرين النصيحة والتوجيه. كانوا بالنسبة لي أخًا ومعلمًا وموجهًا وناصحًا وقدوة.
ولا أخفي أن بعضهم ما زال فضله وجميله في عنقي حتى هذا اليوم؛ فهناك أشخاص قد لا يشعرون بحجم الأثر الذي تركوه في حياة الآخرين، وربما كانت كلمة قالوها، أو نصيحة قدموها، أو موقفًا مشرفًا وقفوه، سببًا في تغيير مسار إنسان ودفعه نحو مستقبل أفضل.
وهنا تكمن قيمة القدوة الحقيقية؛ فالقدوة ليست منصبًا، وليست شهرة، وليست كلمات تُقال، وإنما هي حياة تُرى، وسلوك يُحتذى، وأثر يبقى في النفوس حتى بعد مرور السنين.
إن جيلنا مدين بالكثير لمن سبقونا؛ لأولئك الذين فتحوا أمامنا أبواب الطموح، وجعلونا نؤمن بأن العلم والعمل والسفر في طلب المعرفة وبناء الذات ليست أحلامًا بعيدة المنال.
رحم الله من رحلوا عنا وهم في مقتبل العمر، وأسكنهم فسيح جناته، وجزاهم عنا خير الجزاء على ما قدموه وما تركوه من أثر طيب في النفوس، وأطال الله في أعمار من بقي منهم، وألبسهم لباس الصحة والعافية، وبارك في حياتهم وأعمالهم.
فهم بالنسبة لنا لم يكونوا مجرد جيل سبقنا بسنوات قليلة، بل كانوا جيلًا من القدوة، ترك فينا أثرًا، وسار أمامنا، فأضاء لنا الطريق.
وما أجمل أن تبقى في حياة الإنسان ذكرى جميلة لإنسان كان سببًا في تشجيعه، أو معلمًا له، أو موجهًا، أو أخًا ناصحًا؛ فالإنسان قد يرحل، ولكن الأثر الطيب يبقى، والقدوة الصالحة لا تغيب عن ذاكرة من أحبها واقتدى بها.
والجميل أننا، نحن الباقين على قيد الحياة بفضل الله ونعمه، مستورون، وتجمعنا بعض الصفات؛ يملك كل منا بطاقة متقاعد، وبطاقة امتياز لكبار السن. أطال الله في أعمار الجميع، ومتعهم بالصحة والعافية، ومنَّ على المرضى منا بالشفاء العاجل، إنه سميع مجيب الدعوات.



