05 , سبتمبر 2026

القطيف اليوم

مكانُك محفوظٌ في القلوب

يقول أحدهم:

كنتُ مارًّا ذات يوم بالقرب من مقر عملي القديم، فتوقفت خطواتي قليلًا، ونظرت إلى المبنى الذي قضيت بين جدرانه سنوات طويلة من عمري.

لم يمضِ على تقاعدي سوى شهر واحد، ومع ذلك شعرت وكأن زمنًا طويلًا يفصلني عنه.

قلت في نفسي:
— لِمَ لا أدخل وأسلم على الأصدقاء؟

كم كانت الأيام هنا مختلفة!
كنت أصل مع بداية الدوام، وأغادر مع نهايته، وقد اعتدت أن يكون هذا المكان جزءًا من يومي، حتى صار جزءًا من ذاكرتي.

هناك عشت لحظات كثيرة لا تزال حاضرة في القلب.

تذكرت إفطارنا الجماعي في بعض الصباحات؛ لم تكن المائدة فاخرة، وربما لم يكن فيها إلا القليل، لكن الصحبة كانت تمنح الطعام مذاقًا لا يُنسى.

وتذكرت الضحكات التي كانت تنطلق من موقف عابر، والمواقف الطريفة التي كنا نرددها بين حين وآخر، فابتسمت دون أن أشعر.

ثم مرَّ شريط آخر من الذكريات...

كم من زميل جاء إليّ يومًا يحمل مشكلة في العمل ويقول:
— أبا جاسم، انظر لنا في هذه المشكلة.

لم أكن أحمل شهادة متخصصة في الحاسب الآلي، ولم أكن أدّعي معرفة كل شيء، لكنني كنت أحب أن أتعلم.

كان لدي شغف بالمحاولة، ومتعة في البحث عن الحل، وحرص على أن يُنجز العمل على أكمل وجه.

كنت أفرح حين أجد حلًا لمشكلةٍ أعاقت أحد الزملاء، وكأن نجاحه نجاح لي أيضًا.

وقفت أمام المبنى، وابتسمت.

قلت:
— سأجعلها مفاجأة... لن أتصل بأحد.

دخلت من الباب الذي عبرته آلاف المرات.

غير أن المشهد هذه المرة كان مختلفًا.

استوقفني حارس الأمن وقال بأدب:
— هل لديك موعد؟

نظرت إليه، فلم أعرفه.

قلت:
— لا... أنا متقاعد من هنا، وجئت فقط لأسلّم على الزملاء.

قال:
— لحظة من فضلك، سأتصل بالمكتب وأخبرهم.

وقفت في مكاني.

للحظات شعرت بشيء غريب في داخلي.

أخذت أتأمل المدخل وأسأل نفسي:
— هل تغير المكان إلى هذا الحد خلال شهر واحد فقط؟

قبل شهر، كنت أدخل من هنا دون أن يسألني أحد: من أنت؟
واليوم أقف أنتظر الإذن بالدخول.

هكذا تفعل الأيام...

قد يتحول المكان الذي كنت جزءًا منه إلى مكان تحتاج فيه إلى أن تعرّف بنفسك.

وفي تلك اللحظة، لمحني أحد الزملاء من بعيد.

توقف قليلًا، ثم أسرع نحوي وهو ينادي:
— أبو جاسم!

اقترب مني، وصافحني بحرارة، ثم قال مبتسمًا:
— أهلًا بك... تفضل. أنت صاحب المكان، ومكتبك ما زال فارغًا!

ثم التفت إلى حارس الأمن وقال:
— هذا أستاذنا أبو جاسم.

ابتسم حارس الأمن معتذرًا، فقلت له:
— لا عليك، أنت تؤدي عملك.

دخلت.

وما إن رآني الزملاء حتى ارتفعت أصوات الترحيب:

— أهلًا أبو جاسم!
— اشتقنا إليك!
— نورت المكان!

صافحت هذا، وعانقت ذاك، وتبادلنا الأخبار والابتسامات والذكريات.

شعرت في تلك اللحظة أن السنوات التي مضت لم تكن مجرد وظيفة ودوام وراتب، بل كانت علاقاتٍ إنسانية وذكرياتٍ وقلوبًا اجتمعت يومًا على مائدة واحدة، وعمل واحد، وهموم واحدة.

وبينما نحن نتحدث، دخل أحد الموظفين.

نظر إليّ، ثم قال بلهجة حادة:
— ماذا تريد؟ أنت تقاعدت... فلماذا حضرت اليوم؟

ساد الصمت للحظات.

لم تؤلمني الكلمات بقدر ما آلمني أن تُقال بهذه الطريقة في مكان قضيت فيه جزءًا كبيرًا من حياتي.

وقبل أن أجيب، قال أحد الزملاء مستنكرًا:
— أليس عيبًا أن تتحدث مع زميلنا وأستاذنا بهذه اللهجة؟ لماذا كل هذه القسوة؟

خشيت أن يتحول الموقف إلى مشكلة، فابتسمت وقلت بهدوء:
— عفوًا... لا أريد أن أسبب لكم أي إحراج أو مشكلة.

ثم أضفت وأنا أحاول أن أخفي شيئًا من الألم:
— ربما هو محق... لقد تقاعدت، ولم يعد لي مكان في هذا المبنى.

ساد الصمت مرة أخرى.

لكن هذه المرة كان صمتًا مختلفًا.

اقترب أحد الزملاء مني، وكانت عيناه قد اغرورقتا بالدموع، وقال:

— لا تقل ذلك يا أبا جاسم...

ثم وضع يده على كتفي وأضاف:

— قد لا يكون لك مكتب هنا بعد اليوم...
لكن مكانك محفوظ في قلوبنا.

توقفت الكلمات في حلقي.

نظرت إلى وجوه من حولي، وعرفت في تلك اللحظة أن أجمل ما يتركه الإنسان بعد سنوات العمل ليس مكتبه، ولا منصبه، ولا اسمه على باب الغرفة...

بل الأثر الذي زرعه في النفوس.

فالوظيفة تنتهي،
والكرسي يشغله شخص آخر،
والأبواب التي كانت تُفتح لك قد تحتاج يومًا إلى إذن كي تدخلها...

لكن القلب الذي دخلته بمحبة،
لن يحتاج منك إلى موعد،
ولا إلى بطاقة تعريف،
ولا إلى إذن دخول.

فاحرص وأنت تعمل ألا تبني لنفسك مكانًا في المؤسسة فقط، بل ابنِ لك مكانًا في قلوب من حولك؛ فذلك هو المكان الذي لا يشمله قرار التقاعد.


error: المحتوي محمي