لوحة (31): «نهاية»
للفنانة نجاح كاظم التاروتي
شوق يأخذنا لمرابع الطفولة، أنفاس الحنين آهات وهمسات تستولي على تفكيرنا حتى لو بلغنا من العمر عتيًا. ثمة حنين لا ينتهي يسكن وجدان المشتغلين بالفن والأدب؛ هذا يلتقط ما رأته عيناه، وذاك يدون حكايات الأمس، وأنامل ترصد ملامح الناس، وأخرى تعيد ما كان قائمًا من معمار. كل يقدم مرئياته الإبداعية بأساليب وطرق مختلفة.
الفنانة نجاح التاروتي شغوفة بتوثيق البيوت القديمة ومعالم البيئة التراثية، تارة برؤية واقعية مباشرة، وأحيانًا بإشارات رمزية، حيث تختار عناصر مألوفة تقادم عهدها، وتعيد طرحها ضمن قوالب تجميعية وبرؤية مغايرة فيها قدر من الحداثة.
عملها الجديد في هذا المعرض، والذي أطلقت عليه «نهاية»، عنوان يستدرج المشاهد عن ماهية الفكرة، وعن مغزى التكوين الملتبس بمعالمه، والذي يظن بأنه مجرد اصطفاف شكلي، بينما عناصره تشيء لمضمون العمل عبر اشتغال محكم بناءً ولونًا، ومحقق تباينات قيم الأبيض والأسود، ومنسجم شكلًا، حيث العناصر مجسدة باشتغال واقعي بإتقان الظل والنور، وضمن توليفة تركيبية، مرتكزة على كتلة فاحمة تتوسط عمق التكوين، هي كوة من جدار متصدع، تبرز منه أخشاب لسقف تهدم، يسيل منها دم كأنها كائن مذبوح للتو، وتعادلها في توازن الشكل سلسلة معدنية تتدلى للأسفل، تمثل ارتباطًا عاطفيًا لدروب الحنين نحو بقايا نزل كانت مشيدة عامرة بأهلها أزمانًا.
بعد أن هجر المكان، لم يترك معول الهدم شواهد الحنين ماثلة للعيان والأحفاد، جاء بالمرصاد وقال كلمته القاطعة: لا حكايات ولا حنين بعد اليوم. ظل منتصبًا فقد أدى المهمة بحقد دفين، هو السيف المسلط على كل أثر، أرادته الفنانة واقفًا في تحدٍّ وليس ملقى على الأرض! فهو الذي اقتص من الجدار تكسيرًا، وهشم السقف، وفتت الحجر، وقطع أوصال «الچندل»، وأحال كل شيء لحطام في حطام، مخلفًا لونًا رماديًا من غبار.
ما أصعب على من تربى في البيوت القديمة وعاش فيها أجمل ذكرياته وأحلى سنين عمره، أن يراها ليس خرابًا أو مكانًا مهجورًا، بل محوًا من الوجود نسيًا منسيًا، وكأن شيئًا لم يكن!
ريشة وثقت ألم صاحبتها بصدق وأمانة ضمن إشارات رمزية وليست مباشرة، كل عنصر يحكي الوجع بصمت ثقيل يشير إلى نهاية لم تكن في الحسبان. انتهى ذلك الترابط بين جدران ناطقة بالأصالة وبين من عاش فيها أزمانًا، كانت معالم شامخة لسنين خلت، شواهد لمعمار دال على فكر وفن من رحلوا، وبين ليلة وضحاها انتهى كل شيء. تقطعت أواصر من أشعل قناديل الفرح تحت كنفه المؤنسن، وهنا اللوحة موال حزن مستفيض بوجع النهاية.
لوحة (32): «Kazo»
للفنانة زهراء عباس العلوي
طوال مشاركات الفنانة زهراء العلوي لا تقدم لوحة مسندية اعتيادية، إنما أعمالًا خارج الاصطباغ السطحي. تلجأ لخامات البيئة والمستهلكة، وتعيد تشكيلها بتركيبات فنية تتراوح بين الفن التطبيقي والعمل المدرسي، وهي الغارقة مع طالباتها بتطويع الخامات المهملة وتحويلها لأعمال تزيينية نفعية، وكثير منها تحف تسويقية.
مع كثرة تجاربها خرجت من العمل الإكسسواري، بطرح أعمال تركيبية، قطع مركبة ضمن قالب مجمع، يفكك ويعاد تركيبه، تلك اشتغالاتها الأخيرة.
أما في هذا المعرض فطرح مغاير عما سبق، قدمت مجسمًا جماليًا على هيئة أنبوب مفرغ من الداخل، مرتكزًا على القاعدة في وسطه، ثم يعلو بانحناء ويلتحم عند طرفيه بحجم أضعف، مشكلًا في الأعلى أشبه بمنقار محدب. ارتفاع المجسم 80 سم، مطعم بأساور ثابتة من جهة، وأخرى بزخرفة هندسية، ومزين بالفصوص، حلية تزويقية مندمجة بإتقان.
التكوين العام يحمل الانسيابية في الشكل والتوازن بين الكتلة والفراغ، ومن يراه يتوقع بأنه مشغول بالستانلس ستيل المعتق، ثقيل الحجم، لكنه في الواقع خفيف الوزن بسبب ملمسه المطوع المغطى بخامة معدنية رقيقة ومضغوطة من عدة فلزات كالفضة والرصاص والقصدير، تسمى «الإيتان».
يحمل المجسم معنى الديمومة في الحياة، بأن الإنسان يسلك دروبًا بين ارتفاع وهبوط، ويمر بمنحنيات حادة، يتجاوزها بإرادته الصلبة، ليصل للقمة حيث تحقيق الحلم، ثم يبدأ بالنزول، يهبط ثانية ويعاود الصعود بتحدٍّ ملؤه القوة لقطف النجاح. تعاد الكرة مرات؛ سعي مستمر، هذا هو ديدن الإنسان، دوران مثل دورته الدموية، لا يعرف الثبات، دائم الحراك.
يأتي معنى عنوان العمل «كازو»، وهو مصطلح ياباني، يجسد الانسجام والقوة والإبداع.
لوحة (33): «رؤية»
للفنان علي أبوعبدالله
هو ضيف الشرف لمعرض الأبيض والأسود في نسخته الخامسة 2026، وهي اللوحة الأخيرة في قراءة هذه السلسلة. قدم لوحة مربعة الشكل 90×90 سم، مساحة أكبر من بقية اللوحات، متجاوزة المقاس المعتمد لهذا المعرض 50×70 سم، مقاس ملزم لجميع المشاركين نظرًا لمحدودية مساحة العرض، باستثناء الضيف.
تأخذنا لوحة الفنان أبوعبدالله لآفاق رحبة يتجلى فيها بلاغة الأبيض والأسود، عبر تكوين مخاتل. تارة نبصر مثلثًا متوازي الأضلاع يغالبه بياض برماد، يتقدم للأمام، وتتشارك قاعدته مع ضلع اللوحة السفلي وسط خلفية فاحمة تغلب على ثلاثة أرباع مساحة اللوحة.
وتارة يتقدم فراغ الخلفية للأمام وينسحب الشكل الهرمي للخلف، وكأننا جلوس داخل خيمة سوداء لا نور فيها، نطل عبر فتحة نافذة مثلثية نحو الضياء والبعد.
شكل يمثل خداعًا بصريًا، بداخله رتوش لونية مسحوبة للمنظور الهوائي، حيث تبرز ثلاثة مثلثات داخل نطاق المثلث الأكبر. يبدو جهة اليسار جزء من ضلع جبل أسود بنثرات رمادية، يقابله جزء من جبل آخر متدرج بين دكونة سوداء وشفافية من رماديات غامقة وأخرى فاتحة، يعلوهما في القمة سطوع ليس نحو البياض الفاقع، بل نور متدرج، أراده الفنان أن يكون بلمسات ضبابية غبارية لينسجم اللون مع الجو العام. تراتبية لونية متقنة خلقت إحداثيات تكوينية تجمع بين أشكال مثلثية، وفي نفس الوقت تبدو جبالًا راسية. شكل هرمي يضم بداخله امتدادًا أرضيًا نحو سماء نورانية، بينما هو يقع على حافة اللوحة تحت أرضية وهمية، معزولًا وسط سماء كبرى مظلمة.
عمل يحمل بعدًا فلسفيًا، حيث السواد مساحة كبرى، بينما المثلث الهرمي ذو حجم ضئيل، وكأن الموجودات الأرضية ومن عليها في حالة تيه وسط الكون المجهول، سماء سوداء ليلية حالكة فاحمة لا ترى فيها شيئًا سوى العدم، سواد لا نهائي، صمت مطبق لا يعرف كنهه، لغز سرمدي من أسرار الكون الغامضة.
عمل عميق في شكله ومعناه، ذو رؤية مزدوجة يطلق عليه «الوهم البصري»، يمثل اختزالًا فنيًا تنطبق عليه مقولة النفري: «كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة».
كم نتطلع لمعرض شخصي يقدم فيه الفنان علي أبوعبدالله خلاصة تجربته الممتدة لأكثر من عشر سنوات بين عوالم الأبيض والأسود، فلديه إنجاز متعدد ضمن هذين اللونين. فقد تخلى عن عالم الألوان لقناعة شخصية، فهو يرى بأن اللونين المحايدين تتوفر فيهما قدرة تعبيرية هائلة إذا أحسن الفنان كيفية الاستفادة منهما، وذلك بسبر أغوارهما. فهما ليسا لونين عاديين، بل هما عوالم لونية أبعد من كونهما لونين.
وهو المؤمن بفلسفة كيف تتوالد الأشكال وتتعدد التقنيات جراء خوض غمار هذين اللونين.
إيمان ترسخ لديه ليس عمليًا فقط، بل شرحًا مستفيضًا عبر محاضرة فنية أثناء أماسي المعرض الخامس بعنوان «بلاغة الأبيض والأسود»، مستعرضًا مفاهيم وأقوال الفنانين العالميين ومن سلك عوالم هذين اللونين، عبر استعراض أعمالهم والتعليق عليها، وكذا مجالات التعبير وأنواع الخامات المستخدمة وطريقة التعامل مع كل خامة على حدة.
وهذه ليست المرة الأولى التي يقدم هذه الأمسية، بل استعرضها قبل عام ونيف ضمن نطاق أنشطة الجماعة الداخلية، بهدف تقديم المعرفة عند المشاركين والمشاركات من أعضاء الجماعة، ليكونوا على دراية بصورة أعمق من شخص خبر التعامل في مجالين فنيين مختلفين. فهو المصور الفوتوغرافي البارع، العارف بفنون التصوير وتقنياته، وصاحب استديو تجاري، ومحكم مسابقات، وقد فاز بالعديد من الجوائز، والملازم لتصوير أعمال جماعة الفن التشكيلي وللآخرين من الفنانين. فهو يعرف لعبة الضوء والظل بطريقة احترافية نتيجة تراكم السنين وكثافة الخبرات مع جماعة التصوير الضوئي بالقطيف، والذي يعتبر أحد مؤسسيها، وفي ذات الوقت ينتسب لجماعة الفن التشكيلي. إذًا هو يملك رؤية المصور وعين الفنان، قلما يتواجد هذان المجالان عند الفنانين الآخرين. تحية لهذه القامة الفنية الكبيرة.
قبل إسدال الستار عن معرض الأبيض والأسود في نسخته الخامسة، قدم كاتب السطور جلسة حوارية مطولة في آخر ليلة من أيام المعرض، معرجًا على المعارض السابقة وما دار فيها من عروض، مستدلًا على أهمية إعلاء المهارة بجانب قيمة الطرح. وامتد التفاعل بين الحضور، وأغلبهم من المشاركين والمشاركات، وكذا من الفنانين البارزين لدى الجماعة، وكل أبدى رأيه، والحماس يملأ الجميع بصدق الاشتغال.
حلم يكبر، وسعة صدر أرحب بقبول النقد، عبر أحاديث تمت وجهًا لوجه أثناء أيام المعرض، وخصوصًا من لدن فنانين معروفين يملكون تجربة ثرية وخبرة واسعة. وهذه سمة إيجابية متداولة في كل معرض، يختلط فيها الإعجاب والثناء بالنقد الموضوعي الهادف والبناء.
مساحة نقد مفتوحة على مصراعيها، من الصعب إيصالها للقارئ الكريم الذي يعنيه ما يحمله العمل الفني من قيم جمالية وأخرى دلالية.
وبدوري أحيي كل من ساهم في إنجاح المعرض، وكل من حضر، ابتداءً من قص الشريط بتشريف الفنان سعيد الجيراني، الرئيس السابق للجماعة، والرئيسة الحالية الأخت سعاد أوخيك ومجلس الإدارة، وكذا جمعية الثقافة والفنون ممثلة في رئيسها الأستاذ يوسف الحربي.
والشكر موصول للإعلامية القديرة عرفات الماجد، التي أجرت مقابلة مع بعض القيمين على المعرض عبر إذاعة المملكة العربية السعودية مباشرة ضمن برنامج « »، تحدث فيه رئيسة الجماعة، والنائب عبدالله العقيلي، وازدهار أبوالرحي، بالإضافة لكاتب السطور، على مدى 8 دقائق، ومن خلال هذا البرنامج عرف المستمع شيئًا من أجواء المعرض.
وفي الختام توصية أخوية:
لنوسع من رؤيتنا الفنية بأفق أوسع وبتقنيات متنوعة، فإن ما يقلق كل فنان وفنانة هو البحث عن أفكار جديدة، وعن آلية تنفيذ موائمة لما هو أنسب لترجمة فكرة معينة أو رؤية غير مسبوقة تتجاوز المطروح. هل اللون فوق سطح الكانفاس كافٍ عبر مدارس الفن المختلفة؟ أم تتداخل فيه الميكس ميديا؟ أم مجسم يرى من جميع الجهات؟ أو تشكيل فراغي ضمن أعمال مفاهيمية؟ هنا القرار يتخذ بناءً على معرفة عملية وقناعة شخصية ناضجة تتراكم في مطبخ الفنان، المليء بعشرات التجارب ومئات المحاولات ضمن خبرات متراكمة، لنصل لأعمال لا تقرأ بسهولة، بل تحتاج لمساحة تذوق أبعد وسبر أعمق وإبحار لما وراء المرئي. فالعمل المألوف والمعتاد لن يجذب البصر ولن يترك أثرًا، والسؤال الأهم: كيف أحول العادي إلى رؤية مغايرة، أكثر قيمة، ليس على مستوى التكوين، بل يجمع بين أهمية قوام المبنى ودلالة المعنى؟
وهذا لا يتأتى ضمن منطقة الراحة، يتحقق بالمثابرة والاجتهاد والتفكير خارج الصندوق.
أيها الفنانون والفنانات الأعضاء في جماعة الفن التشكيلي بالقطيف، أقدر وأثمن لكل ما قدمتموه في هذا المعرض. أعمالكم استحقت الاحتفاء والإشادة، وما هذه القراءة الفنية عبر السبع حلقات إلا تأكيد على ثراء أعمالكم المحملة بمضامين إنسانية وعناوين لافتة وتنويعات فكرية.
رؤيتكم واعية وواعدة طالما تحدي النفس هو البوصلة التي سوف تقودنا قدمًا للأمام نحو إنجاز وراء إنجاز، بطرح متجدد على الدوام.





