13 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

اجلس أنت ومالك في الظل

انتبه لنفسك، وراجع سلوكك الاستهلاكي قبل أن يراجعك الرصيد، وأعد حساباتك قبل أن تفاجئك الالتزامات بالمزيد. فالعالم تغيّر، والأسعار تبدّلت، وما كان يُشترى بالأمس بالقليل، قد يحتاج اليوم إلى الكثير، والراتب وإن بقي رقمه كما هو، فإن قدرته الشرائية لم تبقَ كما كانت عليه.

ليست المسألة فقرًا ولا غنى، بل وعيٌ وحسن تدبير، وليست دعوةً للبخل والتقتير، بل للحكمة في الصرف والتقدير. فالتضخم لا يسأل عن منصبك ولا عن راتبك، ولا يفرّق بين غني وفقير؛ إنما يأكل من القوة الشرائية بصمت، حتى يكتشف الإنسان متأخرًا أن دخله الذي كان يكفيه بالأمس، أصبح اليوم بالكاد يحتويه.

كنا نشتري الخضار والفاكهة بالكرتون، وأصبح بعضنا يشتري بالكيلو بنفس الثمن المصون. وكنا نملأ البيت من الحلويات والمكسرات والمشروبات بلا حساب، واليوم أصبح تكرار ذلك يفتح على الميزانية ألف باب وباب. والملابس كذلك، والمطاعم كذلك، والسفر كذلك، والاشتراكات كذلك؛ أشياء صغيرة إذا اجتمعت صارت كبيرة، ومصاريف متناثرة إذا تراكمت أصبحت خطيرة.

وهنا لا بد أن تنتبه الزوجة، وأن تعي الابنة، وأن يفهم الابن، وأن يدرك الجميع أن المال الذي يدخل البيت ليس بلا نهاية، وأن كل ريال يُصرف في غير موضعه قد يكون غدًا مطلوبًا في موضعٍ أهم وأحوج وأولى.

وعلى رب الأسرة أن يقول كلمته، وأن يتحمل مسؤوليته، وأن يكون قائدًا لعائلته لا مجرد موظفٍ عند رغباتها. فالأب ليس ماكينة صرف، والزوج ليس حسابًا مفتوحًا، وإنما هو مسؤول عن حاضر الأسرة ومستقبلها، عن رفاهها وأمانها، عن متعتها اليوم واستقرارها غدًا.

والقيادة هنا ليست تسلطًا ولا حرمانًا، بل مشاركةٌ وبيان، وتخطيطٌ وأمان. يجلس أفراد الأسرة معًا، يعرفون دخلهم والتزاماتهم، ويفرقون بين الحاجة والرغبة، وبين الضروري والكمالي، وبين ما يستحق أن يُشترى اليوم وما يمكن أن ينتظر إلى وقتٍ آخر.

ولا تقل: «نحن اعتدنا هكذا»، فالعادات التي تصلح لزمن الرخص قد لا تصلح لزمن الغلاء. ولا تكابر وتعيش بمصروف الأمس في أسعار اليوم، ثم تتعجب آخر الشهر أين اختفى المال وأين مضى الراتب.

وكانت من عبارات زمنٍ مضى: «حط فلوسك بالشمس واقعد بالظل»؛ أي اصرف على نفسك، واستمتع بمالك، ودلّل ذاتك ما دمت قادرًا على الإنفاق. وكانت العبارة تنسجم مع زمنٍ كانت فيه الأسعار أهدأ، والالتزامات أقل، والراتب أوسع من بعض حاجات الحياة.

أما اليوم فقد تغيّرت الأحوال، وكثرت الالتزامات، وارتفعت الأسعار، وأصبحت الكماليات تلاحق الراتب قبل أن يصل، والمصاريف الصغيرة تتجمع حتى تصبح حملًا ثقيلًا.

ولهذا ربما أصبحت الحكمة الجديدة:

«اجلس أنت وفلوسك بالظل»؛ فلا تجعل كل رغبة مصروفًا، ولا كل إعلان قرارًا، ولا كل مناسبة استنزافًا، ولا كل زيادة في الدخل بابًا لزيادة الإنفاق.

فالاستمتاع بالمال جميل، ولكن الأجمل أن تستمتع به دون أن تفقده، وأن تدلل نفسك دون أن تضر غدك، وأن تصرف بعقل فلا يأتي يوم تحتاج فيه إلى ما أنفقته بلا حساب.

فليس الرشد أن تحرم نفسك، ولا الحكمة أن تبذر مالك؛ وإنما الوعي أن تعرف متى تصرف، وكم تصرف، وعلى ماذا تصرف.

غيّر عادتك قبل أن تُجبر على تغيير حياتك، واضبط مصروفك قبل أن يضبطك دينك، واحفظ مدخراتك قبل أن تأكلها الكماليات؛ فزمن الغلاء لا يرحم من يعيش بعقلية الأمس، ولا يجامل من يؤجل المراجعة إلى أن يصبح الإصلاح بعد الخسارة أعسر من الوقاية قبلها.


error: المحتوي محمي