13 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

ثماني سنوات.. حين يصبح التطوع ذاكرة لا تنسى

في منتصف الربع الثاني من عام 2018، وجدت نفسي ضمن الأعضاء المنتخبين لمجلس إدارة لجنة التنمية الاجتماعية بصفوى.

لم أكن يومها أعرف أن ذلك القرار سيقودني إلى رحلة تمتد لثماني سنوات، وأن المكان الذي دخلته عضوا في مجلس إدارة، سأغادره محملا بذاكرة لا تختصرها السنوات، ولا تكفيها الكلمات.

ثماني سنوات من العمل، والمبادرات، والاجتماعات، والتحديات، والنجاحات،وصنع القرار والأهم من ذلك كله، ثماني سنوات من العطاء للمجتمع.

وفي عام 2022، تغير المسمى من لجنة التنمية الاجتماعية الأهلية بصفوى إلى مسمى "جمعية التنمية الأهلية بصفوى"، في إطار التحول الذي شهدته منظومة القطاع غير الربحي، بما يتوافق مع مستهدفات رؤية المملكة 2030، نحو تمكين الجمعيات ورفع كفاءتها وتعزيز استدامتها المالية واستثمار طاقات أبنائها وكفاءاتهم.

لكن بالنسبة لي، لم يكن تغيير الاسم مجرد انتقال إداري،كان إعلانا عن مرحلة جديدة، تحمل معها طموحات أكبر، ومسؤوليات أعظم، وفرصا أوسع لاستثمار الإنسان في خدمة الإنسان..

ماذا استفدت من الجمعية، سؤال يتكرر علي كثيرا،ماذا استفدت من وجودك في هذه المنشأة طوال هذه السنوات. 

والحقيقة أنني كلما حاولت الإجابة، وجدت أن الكلمات أقل من أن تفي بالمشهد.

ولو ألفت كتابا عن هذه التجربة، فلن أوفي حق مجتمعي المعطاء، ولا حق كل شخص شاركني هذه الرحلة.

تعلمت أن التطوع ليس ساعات تسجل في سجل، ولا أرقاما تضاف إلى رصيد.

التطوع هو أن تمنح من وقتك دون أن تنتظر مقابلا، وأن تستخدم خبرتك حين يحتاجها مجتمعك، وأن ترى نجاح الآخرين وكأنه نجاحك الشخصي.

وبحكم مؤهلي وخبرتي في المجال المالي، وجدت الظروف سانحة لأقدم لمجتمعي ما أستطيع.

دخلت إلى العمل المالي في الجمعية وأنا أحمل معي خبرة القطاع الخاص، لكنني اكتشفت سريعا أن العمل غير الربحي له خصوصيته، وله تحدياته، وله جماله أيضا.

كان القسم المالي أحد الأعمدة الأساسية التي تقوم عليها المشاريع والمبادرات، ليس لأنه الأكثر ظهوراً، وإنما لأنه يعمل غالبا بعيدا عن الأضواء.

وراء كل مبادرة ناجحة ميزانية، ووراء كل مشروع خطة، ووراء كل نجاح ماليون يعملون بصمت حتى تستمر عجلة العمل.

وهنا أدركت أن العمل خلف الكواليس قد يكون أحيانا أكثر تأثيرا من الوقوف تحت الأضواء.

مجتمع يصنع النجاح

خلال هذه السنوات، تعرفت على أسماء كثيرة من أبناء مجتمعي، أفرادا ومؤسسات، كان لهم دور حقيقي في نجاح مسيرة الجمعية.

رأيت أشخاصاً يقدمون وقتهم، وآخرين يقدمون خبراتهم، وآخرين يفتحون أبوابهم وإمكاناتهم، وكل منهم يؤمن بأن المجتمع لا يتقدم إلا عندما يقدم أبناؤه شيئا من أجل مستقبله.

ولا يمكن الحديث عن مسيرة الجمعية دون الإشارة إلى الدعم الحكومي الذي حظي به القطاع غير الربحي في المملكة، في ظل قيادة مولاي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، حفظه الله، وسمو سيدي ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، حفظه الله.

كما كان للمؤسسات الخيرية والتنموية، ومنها مؤسسة الملك خالد الخيرية، إسهام مهم في دعم وتمكين منشآت القطاع غير الربحي وتعزيز تكافؤ الفرص وبناء القدرات المهنية.

لقد كانت تلك البيئة الداعمة عاملا مهما في أن تتحول الجمعيات من مجرد أماكن تقدم البرامج إلى مؤسسات تمتلك طموحا، وتفكر في الاستدامة، وتستثمر في الإنسان.

عندما يتوافق المجلس تنجح المؤسسة..ومن الإنصاف القول إن أحد أسرار استمرار الجمعية ونجاحها كان الترابط بين أعضاء مجلس الإدارة وتوافقهم في صناعة القرار.

فالعمل المؤسسي لا يقوم على فرد واحد، مهما كانت قدراته،إنما ينجح عندما تتكامل الأدوار، وتتلاقى الرؤى، ويصبح الهدف أكبر من الأشخاص،وخلال مسيرة الجمعية، قدمت صفوى نماذج جميلة من المبادرات والمشاريع التي تستحق أن تبقى في ذاكرة المجتمع ومنها:

. العمر الأجمل
. مهرجان اليوم الوطني الـ92
. برامج أحدثت فرقاً
. منازلنا خضراء
. حملات التبرع بالدم

. يوم المشي العالمي

.مهرجان التطوع السعودي والعالمي.
وغيرها من المبادرات التي ربما لا تتسع الذاكرة لذكرها جميعا.

ومن أجمل ما أعتز به أيضا حصول أحد أعضاء الجمعية على المركز الأول في عدد ساعات التطوع على مستوى محافظة القطيف، وهو إنجاز لم يكن مجرد رقم، بل انعكاسا لثقافة تطوعية استطاعت الجمعية أن تزرعها وتعززها.والحقيقة أن بعض هذه المشاريع ربما لم يحظ بالنصيب الإعلامي الذي يستحقه.

لكن المشاريع العظيمة لا تقاس دائما بعدد الأخبار التي كتبت عنها، وإنما بعدد الأشخاص الذين تركت أثرا في حياتهم.

رجال ونساء خلف المشهد

وفي هذه الرحلة، لا يمكن أن تمر الذكريات دون أن أتوقف احتراما أمام أشخاص كان لهم أثر واضح في مسيرة الجمعية.

أتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى رئيس مجلس إدارتها المهندس هاشم الشرفا، الذي كان أنموذجا مميزا بل ايقونة في عالم التطوع المجتعي على مدى اربعون سنة وأكثر في العطاء، قدم من وقته وجهده وطاقته، بل ومن ماله، الكثير من أجل إنجاح مسيرة الجمعية.

كما لا يمكن أن أنسى نائب رئيس مجلس الإدارة الأستاذ أمين العالي، الذي كان له حضور وبصمة واضحة في الحفاظ على كيان الجمعية واستمرارية عملها والمستشار المحنك في سد ثغراتها ..

والشكر موصول إلى الدكتور محمد آل ليل، الأكاديمي النشط، الذي أبدع في إدارة المشاريع والبرامج بمستوى عال من التنظيم والوعي الثقافي والمهني.

ولا يفوتني أن أتقدم بالشكر إلى الأستاذ عبدالله آل المحسن، لما قدمه من دور تنظيمي وإداري مميز في إدارة طواقم التطوع، واستثمار طاقاتهم بكل اقتدار..وهذه الأسماء ليست إلا جزءا من قائمة طويلة.

هناك أسماء كثيرة عملت بعيدا عن الضوء، وقدمت كل ما تملك من وقت وجهد وطاقة، لا بحثا عن مال، ولا سعيا وراء وجاهة، وإنما حبا في صفوى، وإيمانا بأن المجتمع يستحق أن نعطيه شيئاً من أعمارنا.

ماذا بقي لي من كل ذلك..

بعد ثماني سنوات، أستطيع أن أقول إن أعظم ما خرجت به من هذه التجربة ليس منصبا،ولا وجاهة ولا عضوية مجلس، ولا رقما في سجل التطوع..

إنه الناس..وجوه عرفتها، وتجارب عشتها، ومواقف تعلمت منها، وأصدقاء أصبحوا جزءا من ذاكرتي، وشعور جميل بأنني حاولت أن أترك أثرا واضحا اوبصمة وإن كانت صغيرة ..

تعلمت أن المجتمع لا يحتاج دائما إلى من يملك الكثير،أحيانا يحتاج فقط إلى شخص يقول، ماذا أستطيع أن أقدم ..ثم يبدأ.

وأعتقد أن هذه هي فلسفة التطوع الحقيقية.

من لجنة… إلى جمعية… إلى مستقبل أكبر

اليوم، وأنا أنظر إلى السنوات الثماني الماضية، لا أشعر بأنها انتهت.

فالعمل المؤسسي الحقيقي لا ينتهي بانتهاء دورة أو تغير مجلس إدارة،إنه يتراكم..كل مبادرة تترك تجربة، وكل تجربة تصنع معرفة، وكل معرفة تصبح أساسا لمبادرة جديدة.

ولهذا، فإنني أنظر إلى جمعية التنمية الأهلية بصفوى باعتبارها جزءا من ذاكرة مجتمع، وفي الوقت نفسه جزءاً من مستقبله.

وأتمنى لأعضاء مجلس إدارتها المرشحين والجدد كل التوفيق في المرحلة المقبلة، وأن تكون بصمتهم امتداداً لما سبق، وإضافة جديدة تواكب مستهدفات رؤية المملكة 2030، وتفتح آفاقاً أكبر للاستدامة والابتكار وتمكين الشباب واستثمار الكفاءات الوطنية.

أما أنا..فسأظل أعتبر السنوات الثماني التي قضيتها في هذه المنشأة واحدة من أجمل صفحات حياتي.

صفحة كتبتها مع أشخاص أحبوا مجتمعهم، وربما كان أجمل ما فيها أنني لم أكن أبحث عن شيء لنفسي، كنت أبحث فقط عن إجابة لسؤال بسيط،ماذا يمكنني أن أقدم لمجتمعي ..

اليوم، بعد ثماني سنوات، أدرك أنني أخذت من المجتمع أكثر مما أعطيته،أخذت محبة الناس، وخبراتهم، وصداقتهم، وثقتهم، وذكريات ستبقى معي ما حييت.

ولهذا أقول، شكراً صفوى…

شكراً لكل يد امتدت لتصنع مبادرة، ولكل عقلٍ فكر في مشروع، ولكل متطوع منح من وقته، ولكل مؤسسة دعمت، ولكل عضو عمل بصمت، ولكل شخص آمن بأن التنمية تبدأ من الإنسان.

ستبقى جمعية التنمية الأهلية بصفوى بالنسبة لي أكثر من منشأة.

ستبقى حكاية مجتمع وبصمة عمر.. وذكرى جميلة لا تنتهي،وكل التوفيق لمن سيحمل الراية من بعدنا..

فالمشوار مستمر، والقادم أجمل بإذن الله


error: المحتوي محمي