في هذه الأيام نقول: وعدٌ عابر، أو أمرٌ عابر، ونعني الأمر الذي لا يَلْقَى اهتمامًا كبيرًا أو لا يدوم وقتًا طويلًا!
تستغرب كثيرًا وتكثر من الإطراء على صديق تلتقيه ويعدك وعدًا عابرًا أن يحضر لك شيئًا ما، أو يقوم بعملٍ ما. شيئًا أنت تنساه بعد مدة قصيرة، ثم على كثرة مشاغل الصديق لا ينساه ويفي بوعده!
نحن نفهم الوفاء بالوعود الكبيرة. أما وعد عابر، طلب صغير " لا من شاف ولا من درى"، أمرٌ هين أن نَتملص منه. عند بعض الناس كلّ وعدٍ يجب الوفاء به، صغيرًا كان أم كبيرًا. الوفاء بالوعد عندهم مثل الوفاء بالدَين، لا ينامون حتى يؤدونه.
ما أكثر من ينسى الوعود عن شغلٍ أو تشاغل. مشكلة الوعود أنها قد لا تتناسب مع حجمها. وعد كبير أُخلفه يعذرني من وعدته. أما من وعدته شيئًا صغيرًا لا يسامحني بسهولة. الوعود الصغيرة تتكرر كثيرًا، أما الوعود الكبيرة فقلما تحدث!
يمكنني أن أفهم أن صديقي، أو زوجي، وعد وأخلف مرة واحدة، لكنني لا أثق به بعد مرتين أو ثلاث لذلك لا أعدك بشيء ثم أخلفه. عدّة وعود لا تتحقق تفسد الثقة!
نسمع بالمثل المشهور "مواعيد عرقوب"، الرجل الذي واعد أخاه في أمر نخلة ولم يف بوعده عدة مرات وصارت حكايته مسبةً مدى الدهر:
كَانَت مَواعيدُ عُرقوبٍ لَها مَثَلاً..
وَما مَواعيدُها إِلّا الأَباطيلُ
أَرجو وَآمُلُ أَن يَعجَلنَ في أَبَدٍ..
وَما لَهُنَّ طِوالَ الدَهرِ تَعجيلُ
"وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ ٱلْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً":
يقول المفسرون أن إسماعيل في الآية السابقة ليس ابن نبي الله إبراهيم عليه السلام. اسماعيل - هذا - المذكور في الآية له حكاية رائعة في الوفاء بالوعد يجدر بالقراء الكرام أن يراجعوهَا من كتب التفاسير.
أما النبي محمد صلى الله عليه وآله فروي أنه وعد بعض أصحابه بمكة أن ينتظره عند الكعبة حتى يرجع إليه فمضى الرجل لشأنه ونسي الأمر فبقي صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثة أيام هناك ينتظره فاطّلع بعض الناس عليه فأخبر الرجلَ بذلك فجاء واعتذر إليه.
مثل هؤلاء الأشخاص ننحني لهم! ننحني لوفائهم. الآن الكثير منا يعد ولا يفي! يعد في الليل وينسى في النهار! لو انتظرته حتى تصبح تمثالًا لن يذكر الوعد!
وَما كُلُّ مَن قالَ قَولاً وَفى..
وَلا كُلُّ مَن سيمَ خَسفاً أَبى



