02 , سبتمبر 2026

القطيف اليوم

منصور المحاسنة.. رحل كما عاش

مر أسبوع على رحيل الحاج منصور راشد كاظم المحاسنة، وربما تأخر الحديث عنه أيامًا، لكن بعض الأشخاص لا تحتاج سيرهم إلى خبر عاجل بقدر ما تستحق وقفة هادئة تشبه الطريقة التي عاشوا بها.

منصور المحاسنة ابن حي الشويكة بالقطيف، لم يتقلد منصبًا، ولم يكن من الأشخاص الذين تلاحقهم الأضواء، ولا اسمًا يبحث عن الشهرة، ولا شخصًا اعتاد أن يكون في الواجهة، بل شخصًا عاديًا جدًا عاش حياته ببساطة، مسالمًا، هادئ الطبع، يمضي في شؤونه دون ضجيج، ويترك للناس صورة الإنسان الذي لا يثقل على أحد ولا يزاحم أحدًا على حضور أو مكانة.

وقد يمر الإنسان بيننا سنوات طويلة من غير أن يلفت الأنظار، فهناك من يترك أثره في منصب، وهناك من يتركه في إنجاز ظاهر للجميع، وهناك من يتركه في خدمة يؤديها بصمت ولا يعرف تفاصيلها إلا القليل، ومنصور المحاسنة كان من هذا الصنف الأخير، حضوره هادئ، وعمله هادئ، وحتى رحيله جاء هادئًا.

ومع هذه الحياة البسيطة، كان يؤدي عملًا إنسانيًا له معناه الكبير، إذ شارك لسنوات في إكرام الموتى في حي الشويكة بالقطيف حيث ولد وعاش ورحل، وأسهم في تجهيز القبور ومواراة الراحلين الثرى في مقبرة الدبابية، ضمن أعمال يؤديها رجال يقفون إلى جانب الأسر في واحدة من أصعب لحظات الفقد.

ليس في مثل هذا العمل أضواء، ولا منصات، ولا تصفيق، يبدأ في لحظة حزن، وينتهي عندما يعود الناس إلى بيوتهم، ويبقى من قام به خلف الحدث، وربما لهذا تحديدًا تكون قيمته أكبر، لأنه من الأعمال التي لا ينتظر أصحابها أن يعرف الناس أسماءهم أو أن يحصوا ما قدموه.

كم عزيزًا فقدناه شارك منصور المحاسنة في تهيئة مثواه الأخير، وكم جنازة وقف معها حتى تمت مواراة صاحبها الثرى، لا نملك رقمًا، وربما لم يفكر هو يومًا في عد ذلك، فالخدمة التي تصبح جزءًا من حياة الإنسان لا تحتاج دائمًا إلى سجل، ويكفي أن يبقى أثرها في نفوس من عرفوها.

ومرت السنوات، وجاء اليوم الذي أصبح فيه هو الفقيد، رحل منصور المحاسنة بصمت، كما عاش، وواراه الناس الثرى بعد سنوات كان فيها واحدًا ممن أعانوا على مواراة غيره، ربما في صورة تحمل من المعاني أكثر مما تحتاجه الكلمات.

وربما هنا تكمن القصة كلها، فنحن كثيرًا ما نلتفت إلى أصحاب السير الصاخبة، ونكتب عن المناصب والإنجازات والأسماء المعروفة، بينما تمر بجوارنا حياة أناس عاديين في ظاهرها، لكنها تحمل الكثير من المعاني في تفاصيلها الصغيرة.

فالإنسان لا يقاس دائمًا بما امتلك، ولا بما شغل من مواقع، ولا بعدد من عرفوا اسمه، ولكن أحيانًا يكون أثره في يد امتدت لخدمة الآخرين، أو في موقف إنساني ظل يتكرر سنوات، أو في سيرة لم تحمل خصومة.

ولعل قيمة الحديث عن الفقيد اليوم ليست في محاولة صناعة سيرة استثنائية له، بل في العكس تمامًا، في التوقف أمام حياة رجل عادي، عاش بين أهله وناسه، وخدم مجتمعه في جانب لا يلتفت إليه كثيرون، ثم غادر الدنيا بالطريقة نفسها التي عاش بها.

وهذه أيضًا سيرة تستحق أن نتوقف عندها وننقلها للأجيال، فليس مطلوبًا من كل إنسان أن يصنع حدثًا كبيرًا حتى يبقى ذكره، أحيانًا يكفي أن يكون حضوره خفيفًا، وأن تكون سيرته طيبة، وأن يترك في نفوس من عرفوه صورة إنسان مسالم، أدى ما استطاع من خير، ثم مضى.

رحم الله الحاج منصور راشد كاظم المحاسنة، وجزاه على ما قدمه في خدمة الراحلين خير الجزاء، فقد عاش بعيدًا عن الضجيج، وخدم بصمت، ثم رحل كما عاش.


error: المحتوي محمي