28 , أغسطس 2026

القطيف اليوم

ثنائي اللون عصف ذهني للمخيلة وفضاء للتأويل (6-7)

لوحة (26): (مسجد قباء)
للفنانة فاطمة حسن آل مطر

مكان تهفو إليه النفوس، صورته الأفئدة ترانيم وجد روحانية، واشعار عشق إيمانية، والأنامل تبارت في ابراز قيمه البنائية، عبر الريشة واللون، وهنا اللوحة ممهورة بفيض حب شفيف، واعجاب لامتناه لمكان أسس على التقوى، فهو اول مسجد بني في الإسلام مذكور في كتاب الله الحكيم واحاديث النبي الكريم.

تحدثنا اللوحة المشغولة بالأبيض والأسود كصورة تقادم عهدها عبر تنغيمات لونية مكثفة ذات لمسات تأثيرية، لنقل ملامس الجدران الطينية العتيقة، انطباعية الظل والنور تتجلى في تكوين المنارات الشامخة التي تعانق السماء بتقاسيمها المعمارية المتناسقة، والمتناغمة بالافاريز بين بارز وغائر، لمسة حنو لتشكيل القباب المقوسة كجبال راسية تتلألأ بهالة من نور، تحت سقفها تتراسل صلوات الخاشعين وادعية المؤمنين، سرب حمامات تجوب فضاء محيط المسجد، هديلها يقول هنا السلام والأمن والاطمئنان، سلام على من وضع حجر الاساس واقام الصلاة ونادى الله أكبر.

تبرق زخرفة هندسية بيضاء مشعة وسط حلكة السماء هي السائدة نقشا جماليا في عموم المساجد العريقة وعلى هدي منوالها سار الحرفيون المهرة بتشكيلات ابداعية لدور العبادة.

حفيف السعفات ترحب بالزوار المشتاقين للصلوات والخطو المبارك في رحاب مسجد اسسه نبي الهدى بيديه الشريفة.

مااجمل الأنامل التي تتعلق بفيض تعبيري وبنظرة شغف فنية بابراز المعالم الدينية.

ريشة فاطمة مطر متيمة برسم جلال الأبنية المقدسة وهذه اللوحة الرائعة امتداد لبعض أعمالها السابقة الذاهبة بعدا تقديرا لمن يعمر بيوت الله ويشد الرحال إليها، وسلام على من اضاء قلبه نور الإيمان قولا وعملا خالصين لمرضاة الله.

لوحة (27): (ناصية البحر)
للفنانة حواء علي مغيزل

أمراة تقف على ناصية البحر، تتشح برداء شعبي (المشمر)، لانرى وجهها فلا نعرف تعابير ملامحها، اهي تحمل فرحا أم حزنا، اهي مبتهجة أم كئيبة، إنها مدبرة في وقفة سارحة، ماذا عساها تفكر، اتنظر للموج وللافق البعيد لمجرد رؤية تأمل وترويح عن النفس، أم ترقب حلم غير منتظر.

ايكون المشهد بالنسبة لحوراء استحضار لحكايات من اهلها وقصص تناقلتها الجيران عن بحر سنابس وهي ابنة المكان فاساخت السمع حول نساء اتعبهن الوقوف انتظارا للغائبين في لجج الأمواج، هذه تنتظر زوجها وتلك ترقب عودة فلذات اكبادها وأخرى تنظر والدها، كم كان يساورهن القلق وتتأرجح مشاعرهن بعودة سالمة أم بغياب ابدي.

هي حالة انتظار للواقفة على ناصية البحر تمثلتها الفنانة رسما كناية عن الواقفات اللاتي عايشن اليأس والخوف والفزع والدموع وتلاوة أدعية الرجاء، وتقاسيم الفرج، وعند العودة تختلط المشاعر بين انشطار فرح وانقسام حزن بين أخت وأخت وخالة وعمة.

تباينات احاسيس لمن فنيت اعمارهن بشهقات انفاسهن (الخارج مفقود والعائد مولود) هي الصورة مرتسمة على (مشمر) الواقفة على ناصية البحر المنقسم بين ابيض واسود، بين حزن وفرح بين نور وظلمة، ولم يكن (المشمر) بهذه الصبغة، وهو الذي يرفل بالالوان الزاهية إنما احالته الفنانة لدلالة رمزية لمن كابدن الويلات وانتزعن الفرح من غصة العيش.

نوارس تجوب البحر ويتماهى صوتها مع ايقاع الموجات، برجع الصدى نغمات حنين لاتنقضي لما مضى من حكايات الأولين.

لوحة (28): (أحلام)
للفنانة زهراء محمد هنيدي

من النظرة الأولى لهذا العمل يقودنا إلى بيئتنا المحلية، فكل مفردة تنتمي إلينا، قريبة من وجداننا.

الذاكرة تطرب نشوة حينما ترى من يعيد لها القها ويسترجع أيامها الحلوة حيث بساطة العيش تحت ظلال الروابط الأسرية والحمية المجتمعية.

يهيمن على اللوحة عناصر شتى، متداخلة مع بعضها البعض، شخوص و طائر وسمكة وابواب ونوافذ تراثية واغصان شجر ضمن كتلة واحدة، مجمعة في محمل خشبي مجنح، تلف العناصر شرائط خطية عريضة ورفيعة ومنحنية في كل جزئيات العمل كما السدى واللحمة في خيوط السجاد، اشتغالات خطية متنوعة تتحول لنسيج زخرفي حر اشبه بالمنمنمات.

مركز السيادة يتمثل في تجمع اسرة مكونة من جدة وابنتها وحفيداتها، يرفلن بلباسهن الشعبي، وجوه لاترى ملامحها، هالة من نور يصدر من محياهن، شعاع اروحهن ينبثق من وقفتهن الحميمية كأنهن بنيان مرصوص، يشد بعضهن بعضا، انفسهن الودودة غامرة بالبهجة، والطير يشاركهن الألفة ممسكا بمنقاره غصن زرع.

فانوس تحمله الأم شمعة فرح في ليال السهر في انتظار ماتقوله الجدة من سرد حكايات الفنتازيا، عن عفاريت تطير بين البيوت وسعفات النخيل، تقود صغارها للتحليق باجنحة الخيال، وتأخذهم بالحزاوي وسوالف من عمروا الديار، تتفتق اللغة وتتواسع مدارك وتزرع قيم وتغرس مثل و مبادئ في عقليةالاحفاد.

وفي جوف السفينة بين الأبواب والنوافذ احاديث شجن لجيران الحي حيث العلاقة مساحة حب وسماحة خلق وشيمة كرم.

كل بيت يضم ثلاثة اجيال وربما اربع، يالها من اجواء اسرية آسرة.

تلك صورة عن حياة الأولين، المليئة باحلام مشرعة على البذل والعمل والسعي والطمأنينة والقناعة والرضا والسكينة.

ريشة زهراء هنيدي قصت لنا حكاية أهل الطيبة والحمية باحساسها المرهف الصادق النبيل في زمن الجفاف العاطفي وتدعونا للعودة لما كنا عليه من تواد وتراحم.

وهذا العمل هو امتداد واعلان لسلسة اعمال قادمة مستوحاة من قصص الجدات.

لوحة (29): (ممرات النور)
للفنانة بتول حيدر العوامي

لاتخلو ريشة في الشرق او الغرب قديما اوحديثا الا وعبرت عن رسم المنازل بصيغ مختلفة، داخليا وخارجيا، لقطات من القرب من البعد، من السطح من الأعلى ومن الأسفل، لم تظل زاوية الا وتم رصدها سواء لنزل مسكونة او مهجورة، وحتى المحطمة التي لاحياة فيها وثقتها الريشة، وتتبعت بقايا الأثر المدفون بين الركام واعادته رسما مشيدا كما كان.

النزل هي المأوى الدائم للانسان من المهد إلى آخر نفس من عمره، حياة بشر بين جدران وسقف.

والفن لايشبع من رصد وتوثيق المنازل لأنها مسكونة بالارواح الراحلة والحاضرة والقادمة.

فحين ترسم لاترسم فقطمن اجل استعادة جماد بل من أجل ابقاء الجمال في العيون وتحايا لمن شيدها وتفنن في تكوينها وبرع في هندستها، هي سيرة بشر وحضارة أمم.

تطالعنا لوحة المعلمة بتول بايقاع من الاقواس تجاور بعضها بعضا، ملتحمة من الاساس صعودا للاعلى، خشونة الجدران تدرك جراء رسمها بالسكين، احساس تأثيري لمقاربة من اجتهدوا في البناء بادواتهم البسيطة وتحدوا الارتفاع والمخاطر لم يركنوا لعجز ولم يأبهوا للمخاوف.

ينبثق من اقواس الجدران شلال نور احال الأرضية إلى بقعة ماء ضوئية. تروي النظر بين تقاطعات الدروب، فسحة حيز يتجلى فيها أهل الدور وسكان الحي صغارا وكبارا لعبا ومزاح والقاء التحيات واحياء المناسبات، باحة الحي مساحة تنفس للعابرين كل يوم.

لكن المكان خلا من رواده، وغادر من اشاعوا البهجة بين جدرانه وبقيت الممرات تشكو الزمان، أين ارتحل القوم؟

بقي النور يبعث صورا لايراها الا لمن سكن تلك الأمكنة، يسمع صدى حكايات الأجداد وسوالف الجدات، سلام على نزل تشتاقها الأنفس الوفية.

ريشة بتول العوامي صاغت قصيدة حنين لم تزل تنعش الذاكرة، ماتهدم واقعا يبنى فنا، لعل اللوحة تجبر الخواطر وتبوح بوجع ضد جور الزمان الذي اطاح بكل تلك الصروح الشامخات، زفرة آهات بشوق أخآذ لهنا، وهنا كانت ديار عامرة بأهلها.

لوحة (30): (بين الضوء والزمن)
للفنانة ليلى مال الله

عنصران بارزان يسيطران على اللوحة، الدائرة المتمركزة في الأعلى وهي تمثل الساعة، وفي الأسفل ايقاع شريط مصور.

علاقة حوارية بين العنصرين مفادها بأن حياتنا عبر محطاتها المختلفة ماهي الا مجموعة لقطات عبر فيلم موثق حسيا وذكرياتيا.

كلما استعادناه ارشدتنا صوره لزمن جميل وزمن اجمل، كيف كنا واين ارتحلنا وكيف اصبحنا، الساعة ترصد تحولاتنا عبر شريط العمر المصور كلاهما يمضيان بلا توقف حتى لوبقيت اللقطة محصورة بلحظتها وتاريخها المثبت لكن زمنها مضى وارتحل للوراء ولايمكن الأمساك به واعادته ثانية.

نحن لانكف عن النظر في شريط الذكريات بصوره المختلفة عبر حسابات الزمن، متعلقون بلحظاتنا الجميلة وقد نهرب من المواقف المؤلمة، لأنها حمل ثقيل يقض مضاجعنا بلا رحمة، لكننا نتباين بين تلك وتلك وبنسب متفاوتة.

الساعة والفيلم هي ايقاع حراكنا اليومي من مسرات واوجاع، من حزن وفرح، من قوة لضعف، لقطات تتوالى سريعا، طفولة، صبا شباب، كهولة، شيخوخة، وكأن الزمن سرع فيلمه علينا من حيث لانشعر ولانحتسب.

سياق تكوين اللوحة فيه شيء من الدينامكية حيث الشريط المصور يتلوى تقلبا بين ارتفاع منتصب وهبوط منحني، هي حياتنا بتقلباتها المتحولة.

لم تكتف الفنانة بالرسم الحواري بين العنصرين الرئيسيين بل ضمنت شيء لايرى من خلال الصورة الفوتوغرافية للوحة، بل يحس ويرى حينما تكون اللوحة الاصلية أمام الأعين، امسكت بالمشرط بقطع اربع مربعات صغيرات موزعات كالزوايا مشكلين مربع أكبر، يحسبهم الرائي بأن لونهم أسود، كلا، هو الظلام المحصور بين اللوحة والجدار، ترمز الفنانة لهذا القطع المتعمد، لتدلنا على جلدنا الذي تمزق جراء قسوة الزمن واصبح رهيفا وكأن كل فتحة هي دوامة ضياع عبر الجهات الأربع، ستضيع منا حتما بعد الرحيل ونذوب في اللآزمن، الهرم، الرحيل، التلاشي، النسيان، أصبحنا مجرد اطياف عبر شريط الذكريات بعد انطفاء زمننا المنقضي.

الفن ليس لاضفاء البهجة فحسب بل سجل لتقلبات حياتنا واختفاؤنا من الوجود.

Uploaded Image

Uploaded Image

Uploaded Image

Uploaded Image

Uploaded Image


error: المحتوي محمي