قد يشتري المستهلك علبةً كُتب عليها أنها تحتوي على خمسين حبة، ثم يفتحها فيجدها سبعًا وأربعين؛ والفارق في ثمنه يسير، لكنه في ميزان الأمانة كبير. فالقضية ليست ثلاث حباتٍ ذهبت، بل معلومةٌ كُتبت، وثقةٌ مُنحت، ومالٌ دُفع على أساسها ثم نقصت.
وقد حذّر القرآن من هذا السلوك تحذيرًا شديدًا فقال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾. والمقصود أوسع من صورة الميزان القديمة؛ فالعبرة ألا يأخذ البائع حقه كاملًا ثم يعطي المشتري أقل مما وُعد به، في وزنٍ أو كيلٍ أو عدد.
وهنا يلتقي حكم الأمانة مع قوة النظام السعودي؛ فنظام مكافحة الغش التجاري يعد المنتج مغشوشًا إذا دخل عليه إنقاص أفقده شيئًا من قيمته، ومن ذلك صراحةً الإنقاص في الوزن أو الكيل أو المقاس أو العدد. ولذلك فإن كتابة عدد على العبوة ووجود عدد أقل منه قد تدخل في نطاق الغش التجاري متى ثبتت المخالفة.
ولا يتهاون النظام مع الغش؛ فالمخالفات المشمولة بالمادة الثانية قد تصل عقوبتها إلى غرامة قدرها خمسمائة ألف ريال، أو السجن مدة لا تزيد على سنتين، أو العقوبتين معًا، وتوجد حالات مشددة قد تبلغ فيها العقوبة مليون ريال والسجن ثلاث سنوات. والعقوبة الفعلية بالطبع تُحدد بحسب نوع المخالفة وملابساتها وثبوتها، فلا يعني نقص عبوة واحدة تلقائيًا تطبيق الحد الأعلى.
أما دور المستهلك فلا ينبغي أن يقف عند الغضب أو الشكوى في المجالس. احتفظ بالعبوة، والفاتورة، وصوّر العدد المكتوب والعدد الموجود، والباركود ورقم التشغيلة إن وُجد، ثم قدم البلاغ عبر تطبيق «بلاغ تجاري»: تسجيل الدخول عبر النفاذ الوطني، اختيار «بلاغ جديد»، تحديد نوع المنشأة والمخالفة، إدخال بيانات المنشأة واسم السلعة ووصف الواقعة، إرفاق الأدلة، ثم إرسال البلاغ. ويمكن كذلك التواصل مع وزارة التجارة على الرقم الموحد 1900.
إن قوة الرقابة لا تصنعها الجهة الحكومية وحدها، بل يصنعها معها مستهلك واعٍ ومواطن أمين. فالمواطن الذي يبلغ عن مخالفة لا يحارب شركة، بل يحمي سوقًا؛ ولا يبحث عن عقوبة، بل يحفظ أمانة؛ ولا يقف ضد التجارة، بل يقف مع التجارة النظيفة.
وقد تبدأ المخالفة بحبة، ثم تصبح عادةً في ألف علبة؛ لذلك لا تستصغر الغش لصغر قيمته، فـصِغَر المسروق لا يجعل السرقة أمانة، وصِغَر النقص لا يجعل التطفيف عدالة.
والدولة وضعت النظام، والوزارة فتحت أبواب البلاغ، ويبقى علينا أن نكون عينًا واعية لا عينًا متغاضية؛ فالسوق النظيف مسؤولية دولةٍ تحمي، وتاجرٍ يتقي، ومواطنٍ يراقب ويعي.



