12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

بين القناعات والمبادئ.. رحلة البحث عن الحقيقة

لا يولد الإنسان متكاملا، ولا يأتي للحياة متمترساً بالمبادئ ، ومتحصناً بالمثل. 

إنه الكائن المولود على الفطرة ، يبدأ رحلته  بصفحةٍ بيضاء منذ لحظة إطلالته الأولى على الدنيا ، ثم تتوالى عليه الليالي والأيام والأحداث لتكتب سطورها في داخله. 

فالأسرة تترك أثرها، والمجتمع يطبع بصمته، والتجارب تنحت ملامحه ، والعلم يصقل إدراكاته، والصورة توثق رؤيته للمحيط الأضيق ، والعالم الأوسع  ، وهو ما بينها يتشكل ، وتتشكل لديه القناعات، وتتبلور المبادئ ، ويكتمل لديه الشعور بأنه حيٌّ فاعلٌ ، وموجودٌ قائمٌ في هذا العالم ، بوعيه، وذاته، ومشاعره، وقيمه، ووجوده ومصيره ومنتهاه، حتى يظن ذلك الإنسان بأنه أمسك بالحقيقة كاملة.

لكن الحياة أكثر تعقيدًا من ذلك.

فالقناعة ابنة التجربة، والمبدأ ابن القيمة. 
فقد تتغير القناعة كلما اتسعت المعرفة، أو تبدلت الظروف، وأما المبادىء فهي للثبات أقرب لأنها مرتبطة بما يراه الإنسان خيراً وعدلاً وفضيلة، وبينها مساحة واسعة من الالتباس تجعل كثيراً من الناس يخلطون بين ما يؤمنون به،  وما هو حق محض.

كم من فكرة اعتنقها إنسانٌ ما سنوات طويلة ثم اكتشف لاحقاً أنها لم تكن سوى انعكاس لبيئته أو ظرفه أو زاوية نظره المحدودة،  وكم من خلاف اشتعل بين أفراد ،أو جماعات، أو حتى ذوي رحمٍ،  لأن كل طرف ظن أن قناعته الشخصية حقيقة مطلقة لا تحتمل النقاش.

المفارقة أن الإنسان كلما ازداد تعلقاً برأيه، ازداد ابتعاداً عن الحقيقة ، ليس لأن الحقيقة بعيدة، بل لأن التشبث بالرأي يصنع حجاباً ، لا يشعر به صاحبه،فيرى الدليل من خلال موقفه، لا موقفه من خلال الدليل.

ولهذا كان "التواضع الفكري القويم" من أندر الفضائل وأجملها. فليس المقصود أن يتخلى الإنسان عن مبادئه، ولا أن يعيش متردداً أمام كل فكرة، وإنما أن يبقي باب المراجعة مفتوحاً ، مع اعتزازه برأيه وموقفه ،ومع الإدراك بأن فهمه للحقيقة ليس بالضرورة هو الحقيقة ذاتها.

فالحقائق الكبرى لا تخشى الأسئلة، والمبادئ الراسخة لا ترتجف أمام الحوار، أما القناعات الهشة فهي التي تحتاج دائمًا إلى الصخب والضجيج لتحتمي بهما.

وربما يبلغ الإنسان درجة من النضج يدرك معها أن البحث عن الحقيقة أهم من الانتصار للرأي، وأن الاقتراب من الصواب خير من التمسك بالخطأ بدافع الكبرياء، عندها يصبح الحوار اكتشافاً لا مواجهة، والتفكير رحلة وليس معركة.

علينا أن نسلم بأن المشكلة ليست في تعدد القناعات، ولا في اختلاف المبادئ بين البشر، بل في الاعتقاد أن ما نراه هو كل ما يمكن رؤيته. فالحقيقة أوسع من الأفراد، وأكبر من الجماعات، وأعمق من أن يحتكرها رأي واحد.

ومن يدرك ذلك، يسير نحوها بقلب مطمئن وعقل منفتح، موقناً أن الحقيقة لا تضيع بين زخم القناعات والمبادئ المختلفة، وإنما تضيع حين نغلق أعيننا عن احتمال ان نكون مخطئين.

في الختام ، وحتى تكتمل الصورة ، نقول أن تمازج الأراء ، وإنفتاح القناعات مع وعلى الآخر ، تتبلور منه أراء وأفكار ومباديء جديدة ، تجمع عليها الكثرة .
وما يدريك ، لعلها تكون هي الحقيقة بعينها ، بعد رحلة البحث عنها.

والسلام


error: المحتوي محمي