للموت موهبةٌ لا يملكها الأحياء: إنَّه يكشف أقدارهم. وربما كان الفراغ أصدق مقياسٍ لحجم الإنسان؛ لأننا لا نعرف مقدار ما كان يحمل، حتى يضعه كلَّه على أكتافنا ويرحل. فالموظف الكفؤ، مثلًا، قد يمضي سنواتٍ يؤدي عمله بإتقان، من غير أن ينال ما يستحقه من التقدير؛ لأنَّ انتظام العمل يُوهم الآخرين بأنَّ الأمور تستقيم من تلقاء نفسها. فإذا استقال، اضطرب ما كان مستقرًّا، وظهرت فجأةً الأشياء التي كان ينجزها في صمت. عندها فقط يتبيّن أنَّ النظام الذي بدا قائمًا بذاته، كان قائمًا على كتفي إنسانٍ لم يلتفت إليه أحد. وهكذا في كثيرٍ من شؤون الحياة؛ فدوام الحضور يجعل الأثر مألوفًا، والمألوف يفقد قدرته على لفت الانتباه. أمّا الغياب، فينزع عن الأشياء ألفتها، ويكشف المساحة التي كان الإنسان يملؤها من غير أن نشعر. لذلك، إن أردت أن تعرف قدرك حقًّا، فقد تحتاج إلى الموت، أو إلى شيءٍ من الغياب المؤقت؛ لأنَّ بعض الناس لا يرونك حين تكون أمامهم، بل حين تترك مكانك فارغًا.
في اعتقادي ينبغي للإنسان أن يكون ذا بصيرةٍ بمن حوله؛ فيعرف أقدارهم وهم حاضرون، ويمنحهم ما يستحقونه قبل أن يعلّمه الغياب قيمتهم. ولست أعني بالتقدير مجرّد الاحترام الظاهري أو كلمات الثناء العابرة، بل الوعي الحقيقي بقيمة الإنسان وما يضيفه إلى مجتمعه من خير. فالتاريخ يروي لنا، بين حين وآخر، قصص عظماء لم يعرف الناس قدرهم إلا بعد موتهم. وليس ذلك إنصافًا متأخرًا بقدر ما هو اعترافٌ متأخر بالتقصير؛ إذ ما نفع المديح لمن لم يسمعه؟ وما قيمة أن نضع الزهور فوق قبر إنسانٍ حرمناه منها حيًّا؟ ومن مفارقات النفس البشرية أنَّ كثيرًا من الناس يحفظون عيوب الآخرين حفظًا دقيقًا؛ حتى لو امتُحن أحدهم فيها لنال مرتبة الشرف الأولى، أمّا إذا امتُحن في فضائلهم وآثارهم الحسنة، فربما أخفق إخفاقًا ذريعًا. لماذا؟ لأنَّ أعينًا كثيرة تُبصر العيب وهو صغير، أمّا الفضل فلا تراه إلا حين يكشفه الموت، أو يفضحه الغياب.
كان عالمًا عظيمًا، وكان ثريًّا محسنًا، وكان فنّانًا مبدعًا؛ جملٌ كثيرة لا تبدأ إلا بـ«كان». أمّا أن يقال: فلانٌ عالمٌ عظيم، وهذا ثريٌّ محسن، وذاك فنّانٌ مبدع، وهم ما زالوا بيننا، فتلك جملٌ نادرة. وإلى أن يتعلّم الناس الاستغناء عن «كان»، سيظلّ كثيرٌ من العظماء أسرى التجاهل، حتى يفقدهم المجتمع؛ عندئذٍ تتصدّر «كان» الكلام، ويأتي بعدها كلُّ ثناء. ولهذا، قد لا تكون «كان» مجرّد فعلٍ ماضٍ؛ بل اعتذارًا يأتي دائمًا بعد فوات الأوان.



