قبل كل شيء، أنا قارئة لا تزال تقرأ وتتعلم، وكاتبة تحاول أن تكون متمكنة، وإنسانة تحاول أن تبقى واقعية وجريئة بحياء.
لا أكتب هنا من نافذة الطب، فالطب له أهله وأنا لست منهم، ولا أتحدث عن مرض العصر، فله تشخيصه وأهله.
أكتب من نافذتي أنا، نافذة امرأة اختارت أن تكون ذاكرة ثانية للمجتمع، تحفظ للبعض ما نسوه عن أنفسهم من جمال.
وهذا النص ليس تبريرًا لنسيان، ولا شكوى منه، بل هو همسة حياء في أذن مجتمعنا عن كيف نحفظ كرامة الذاكرة حين تتعب.
التقيت بها صدفة بعد سنوات. عانقتني بمحبة ونادتني أستاذتي. ابتسمت لها من قلبي، وبحثت عن اسمها فتأخرت ثانية.
قالت بلطف: نسيت اسمي؟ شكله بداية زهايمر! ابتسمت وتأملت.
أنا معلمة دورات إنسانية بالإنجليزية منذ أكثر من اثنين وعشرين عامًا، مرت علي أكثر من واحد وعشرين ألف طالبة. أنا كاتبة وقارئة، ذاكرتي بفضل الله في قمة نباهتها ونشاطها.
فهل نسيان اسم طالبة دون تواصل منها لسنوات يجعلني أضع نفسي في قائمة؟ لا والله. أنا أنسى الاسم أحيانًا، لكنني لا أنسى الأثر. وهذا ليس إلا دليلًا على أنني أعطيت كثيرًا حتى فاضت الذاكرة من زحامها الجميل.
وأنا هنا أهمس همسة حياء لا أكثر.
نحن أكبر وأكرم من أن نلصق بإنسان لقبًا لا يمت له بصلة، لمجرد أنه نسي اسمنا في زحام الحياة. الكلمة ليست تعليقًا خفيفًا نرميه، ولا مبررًا للمزاح.
هو ابتلاء ثقيل، تعاني منه بعض الأمهات بصمت عفيف. فلا يليق بنا أن نستهلك هيبته في تعليق عابر، ولا أن نجرح به قلبًا أعطانا من عمره الكثير.
المرأة العفيفة إذا نسيت، لا تعتذر بمرض، بل تبتسم وتقول: اعذريني، ذاكرتي اليوم ممتلئة بكثرة الأحبة. وهذا منتهى الستر والتحفظ.
فكيف نحفظ الحياء إذا زار النسيان بيتًا من بيوتنا؟
أولًا: نستبدل اللوم بالستر: لا نقول أمي صارت تنسى كثيرًا أمام الضيوف. نقول أمي تحب أن نذكرها، وهي تحب أن نسمعها.
ثانيًا: نستبدل الاختبار بالأنس: لا نسألها هل تذكرين متى؟ كأننا في اختبار. بل نقول أتذكرين يوم كنا.. ما أجمله من يوم. نحن نعطيها الذكرى، لا نطلبها منها احترامًا لهيبتها وشخصيتها.
ثالثًا: نحفظ لها هيبتها بلمسة صغيرة: دفتر صغير أنيق بجانب هاتفها فيه أسماء الأحبة وأرقامهم بخط كبير واضح، أو ورقة على الثلاجة بخط يدها: موعد الدواء. هذه ليست إهانة، بل هي عكاز أنيق يحفظ كرامتها.
في النهاية، عدت لطالبتي، ابتسمت لها وقلت: ما نسيتك، أنا فقط كنت أستأذن ذاكرتي لتستريح ثانية لتليق بمقامك.
الذاكرة ليست دفتر أسماء، الذاكرة أمانة.
الله ائتمنني على واحد وعشرين ألف اسم، وأنا راضية عن هذه الأمانة. واليوم، أمهاتنا يسلمننا أمانة ذاكرتهن.
فاجعلوها جملة حب عفيفة: تعالي سأكون أنا ذاكرتك الثانية.
أتمنى أن تصل رسالتي هذه للبعض!!
لا أكتب هنا من نافذة الطب، فالطب له أهله وأنا لست منهم، ولا أتحدث عن مرض العصر، فله تشخيصه وأهله.
أكتب من نافذتي أنا، نافذة امرأة اختارت أن تكون ذاكرة ثانية للمجتمع، تحفظ للبعض ما نسوه عن أنفسهم من جمال.
وهذا النص ليس تبريرًا لنسيان، ولا شكوى منه، بل هو همسة حياء في أذن مجتمعنا عن كيف نحفظ كرامة الذاكرة حين تتعب.
التقيت بها صدفة بعد سنوات. عانقتني بمحبة ونادتني أستاذتي. ابتسمت لها من قلبي، وبحثت عن اسمها فتأخرت ثانية.
قالت بلطف: نسيت اسمي؟ شكله بداية زهايمر! ابتسمت وتأملت.
أنا معلمة دورات إنسانية بالإنجليزية منذ أكثر من اثنين وعشرين عامًا، مرت علي أكثر من واحد وعشرين ألف طالبة. أنا كاتبة وقارئة، ذاكرتي بفضل الله في قمة نباهتها ونشاطها.
فهل نسيان اسم طالبة دون تواصل منها لسنوات يجعلني أضع نفسي في قائمة؟ لا والله. أنا أنسى الاسم أحيانًا، لكنني لا أنسى الأثر. وهذا ليس إلا دليلًا على أنني أعطيت كثيرًا حتى فاضت الذاكرة من زحامها الجميل.
وأنا هنا أهمس همسة حياء لا أكثر.
نحن أكبر وأكرم من أن نلصق بإنسان لقبًا لا يمت له بصلة، لمجرد أنه نسي اسمنا في زحام الحياة. الكلمة ليست تعليقًا خفيفًا نرميه، ولا مبررًا للمزاح.
هو ابتلاء ثقيل، تعاني منه بعض الأمهات بصمت عفيف. فلا يليق بنا أن نستهلك هيبته في تعليق عابر، ولا أن نجرح به قلبًا أعطانا من عمره الكثير.
المرأة العفيفة إذا نسيت، لا تعتذر بمرض، بل تبتسم وتقول: اعذريني، ذاكرتي اليوم ممتلئة بكثرة الأحبة. وهذا منتهى الستر والتحفظ.
فكيف نحفظ الحياء إذا زار النسيان بيتًا من بيوتنا؟
أولًا: نستبدل اللوم بالستر: لا نقول أمي صارت تنسى كثيرًا أمام الضيوف. نقول أمي تحب أن نذكرها، وهي تحب أن نسمعها.
ثانيًا: نستبدل الاختبار بالأنس: لا نسألها هل تذكرين متى؟ كأننا في اختبار. بل نقول أتذكرين يوم كنا.. ما أجمله من يوم. نحن نعطيها الذكرى، لا نطلبها منها احترامًا لهيبتها وشخصيتها.
ثالثًا: نحفظ لها هيبتها بلمسة صغيرة: دفتر صغير أنيق بجانب هاتفها فيه أسماء الأحبة وأرقامهم بخط كبير واضح، أو ورقة على الثلاجة بخط يدها: موعد الدواء. هذه ليست إهانة، بل هي عكاز أنيق يحفظ كرامتها.
في النهاية، عدت لطالبتي، ابتسمت لها وقلت: ما نسيتك، أنا فقط كنت أستأذن ذاكرتي لتستريح ثانية لتليق بمقامك.
الذاكرة ليست دفتر أسماء، الذاكرة أمانة.
الله ائتمنني على واحد وعشرين ألف اسم، وأنا راضية عن هذه الأمانة. واليوم، أمهاتنا يسلمننا أمانة ذاكرتهن.
فاجعلوها جملة حب عفيفة: تعالي سأكون أنا ذاكرتك الثانية.
أتمنى أن تصل رسالتي هذه للبعض!!



