21 , أغسطس 2026

القطيف اليوم

بالأمس كان معنا

ما أصعب حالنا في هذه الحياة المتقلبة بنا من حال إلى حال ، بين اغماضة عين وانتباهتها تتغير مشاعرنا من مسرة لأسى .

ففي غمرة الفرح يأتيك الحزن ، وفي بهجة الانجاز يباغتك الحزن ، وكأن حياتنا ذات وجهين لعملة واحدة ، حين تقذف القطعة المعدنية عاليا بواسطة الابهام والسبابة وبعد أن تهوي ارضا نتبين على أي وجه ظل سطحها ، جهة الفرح ، أم جهة الحزن ، وما حياتنا التي تقع بين اللآفرح واللآحزن هو زمن تقلبها هوائيا كالعملة المعدنية ، حتما سوف تسقط على أحدى الجهتين ، وعند سطح العملة الخبر اليقين .

صباح الخميس يوم أمس اخبرني هاتفيا أحد المقربين بلمة فرح ، باركت له حالا قائلا له سوف أكون ضمن الحاضرين بإذن الله تعالى ، انتهت المكالمة والبهجة تملؤني .

وفي ذات الثواني وليس الدقائق اطالع قروب اعضاء جماعة الفن التشكيلي بالقطيف ، كل يعزي الفنانة هاجر الشيتي في وفاة زوجها الحاج مهدي محمد بن الملا حسين الفرج ، ظللت متسامرا في مكاني مذهولا ورسائل التعزية تتوالى تباعا ، تبدلت مشاعري رأسا على عقب حتى ضاق بي المكان ، انفاسي مكتومة مذهولا ، مصدوما من خبر الوفاة الذي كتبه الشاب الفنان الحسين موسى بالصيغة التالية ومرفقا مع بوست التعزية التابع لرسامي القطيف :

(ببالغ الحزن والأسى ننعى وفاة المرحوم مهدي محمد بن الملا حسين الفرج (أبو هادي)، من فئة الصم والبكم .

ونتقدم بخالص التعازي والمواساة إلى زوجته الفنانة التشكيلية هاجر وهب الشيتي، من فئة الصم والبكم، وإلى أسرته وذويه.

نسأل الله أن يتغمده بواسع رحمته، ويحشره مع محمد وآل محمد، ويلهم أهله وذويه الصبر والسلوان.

الفاتحة لروحه وأرواح المؤمنين والمؤمنات) .

خبرا حول قروب الاعضاء من حالة فرح غامرة عشناها ليلة البارحة مساء الخميس في رحاب جمعية الثقافة والفنون بالدمام على أثر افتتاح معرض (روازن) في نسخته السادسة التابع لجماعة الفن التشكيلي بالقطيف إلى مساحة حزن من التعزيات ومواساة لأختنا هاجر ، الكل غير مصدق بأن الحاج مهدي رحل بتكرار جملة (البارحة كان معنا ) ، (بالأمس كان معي واليوم رحل) ،(البارحة معنا الرجل الطيب )، ( إيه ماقعد يدور في المعرض ) .

وقد كتب نائب رئيس الجماعة الفنان عبدالله سعيد العقيلي :

(الفنانة هاجر العزيزة،

عظم الله أجركِ وأحسن عزاءكِ في رحيل زوجكِ ورفيق دربكِ، ذلك الإنسان الذي كان حضوره في معارضنا ومحافلنا الفنية صورةً صادقةً للدعم والمحبة .

بالأمس، في المعرض، بقيت في ذاكرتي لحظةٌ لا تُنسى؛ حين خفتت الأضواء، وأصررتِ أن تلتقطي صورةً معه بجوار لوحتكِ، في ذلك الضوء الخافت. وكأنكِ، دون كلام، كنتِ تقولين: إن من أحببناه لا يغيب، بل يبقى نوره معنا.

رحم الله زوجكِ، وجعل كل ما قدّمه لكِ من حب ودعم نورًا يرافقكِ في دربكِ وفنكِ، وألهمكِ الصبر والقوة)

حين هممنا بالخروج من الصالة كانت الانوار تطفئ تدريجيا ليعلن للحضور بأن وقت الاغلاق جاوز المسموح به، كانا الزوجان يأخذان لبعضهما لقطات متبادلة بين لوحة هاجر ، تلك اللحظات كانت آخر الصور تجمعهما وخرجا مع آخر اضاءة اطفأت !

نعم ياأخت هاجر انطفأ عمر رفيق دربك الملازم لك في كل معرض تشتركين فيه ، هو السند، وهو الحاضر معك في كل محفل فني ، حين نراك نراه ، هو المشجع والداعم والمتفهم والمخلص لك ، شخص متفان لابعد حد ، يحمل قلبا كبيرا مليء بالحب والتقدير والاحترام للآخرين .

استرجع لحظات تساؤله لي وللأخ حسن ابوحسين قبل افتتاح معرض (روازن 6) ليلة الخميس ، بحركة فهمنا منه بأن زوجته قدمت لوحتان لماذا عرضت لها لوحة واحدة ، لم يكن لي علم بالموضوع بأنها قدمت لوحتان فالأخ حسن هو الذي استقبل اللوحات من المشاركين والمشاركات ، قائلا له اين لوحتها الثانية، قال بأن اللوحة ليس بالمستوى المعروضة . قلت له ياحسن راعي وقدر مشاعرهما ، طبطبت على كتف الحاج مهدي ، وهذه آخر ملامسة بيني وبينه .

كم هو معتز بزوجته وفخور بفنها يلتقط لها صورا حين تشرح عملها امام عدسات الكاميرا ، برغم عدم معرفة اغلب الحضور ماذا تعني حركات يديها وتعابير وجهها وماهي تأويلاتها الذاتية الخاصة، احيانا يكون الوسيط لتوضيح لغة الاشارة الأخ الفنان الحسين الموسى ، لكننا افتقدناها ليلة الافتتاح . وبقدر المستطاع فهم مفتتح المعرض الدكتور كميل المصلي بأن الفنانة هاجر تعبر في لوحتها عن مزرعة والدها العامرة بالزرع والثمر وهي تسترجع أيام طفولتها ، وقد وضعت صورة ابيها رسما من دون ملامح .

الحاج مهدي الفرج ليس مواظبا على ملازمة زوجته في كل معرض تشترك فيها فحسب بل حين تخبره هاجر بأن احد اعضاء الجماعة فقد قريبا او قريبة يسارع لحضور مجالس الفاتحة ويسلم على اصحاب المصاب ويعزيهم وهو لايعرفهم ، وقد رأيته في أكثر من مجلس عزاء .

ويظل موقف لن انساه طوال حياتي حين حضر يعزيني في وفاة والدتي فقد أخذني بالاحضان وضغط بكلتا يديه بقوة شديدة لدرجة بأني لست قادرا أن اتنفس والمتني ظلوعي وهو يبكي بحرقة وكأنه يقول لي أمك أمي ! ثم رفع يديه للسماء.

مااروع هذا الانسان النبيل الذي تعجز الكلمات عن وصفه !

مااقسى الموت حين يأخذ منا الطيبون وهم في عز الشباب الراسمون للفرح، فرحيلهم المفاجئ يترك في النفس حزن على حزن .

أخت هاجر هجرك رفيق دربك للأبد ، طيب نفسا اذا حكم القضاء ، وسلمي أمرك لله فهو بين رب كريم، له المغفرة والرضوان ولك الصبر والسلوان ، وحشره الله مع محمد وآل محمد الطيبين الاطهار ، إنا لله وإنا اليه راجعون .


error: المحتوي محمي