20 , أغسطس 2026

القطيف اليوم

ثنائي اللون.. عصف ذهني للمخيلة وفضاء للتأويل (5-7)

لوحة (21): (سديم)

للفنانة سوسن تركي السبع

كتل تترامي ثباتا وحراكا، صعودا ونزولا، تحسبها سابحة في الفضاء وأخرى متسمرة جمودا على سطح عائم لا حدود لأبعاده بغياب خط الأفق، ثنائي اللون (الأبيض والأسود) واندماجهما أسفر عن توزيع متوازن بين درجات الفواتح والغوامق، انشغال مكثف في غالبية فضاء العمل وبإحساس جرافيكي عبر تنغيمات خطية رفيعة متوازية ومتموجة في آن، وأخرى عمودية مثل سوار منتصبة، إضافة لتوريقات زخرفية نباتية منطبعة على بعض العناصر الآدمية، كلها شكلت شبكة وصل بين جميع الكتل المترامية حتى بات الكل في نسيج متداخل وبإيقاع شكلي منسجم.

تنتشر بين الكتل شخوص إيمائية تخاتل النظر بين وضوح وتلاشٍ، وبلون أسود غامق تتشح امرأة مدبرة ذاهبة في البعد نحو اللامكان، ويبرز شخص يخرج من بين ضباب الرماد يقف في صدر المشهد، تبرق إحدى عينيه بدهشة جاحظة، والأخرى محجوبة في عتمة القلق، يسوده الترقب والحذر، يحدق في المآلات الخاسرة لأثر حلم معلق ينحسر كسيفا ليتسرب كذكرى انقضى وطرها قبل بلوغ المرام. عناصر التكوين تتشكل وتتمحور كما الغيمات في حراكها المستمر، تتبدل أحجامها بين لحظة وأخرى وتتشابك مع بعضها البعض حيث تتخلق تكوينات لوجوه وكائنات مجردة، أطياف مرئية لا تلبث لحظة أو دقائق معدودات ثم تغادر الرؤية من غير عودة ولا ثبات.

ريشة الفنانة سوسن عبر عملها الأثيري الذي لا يعرف الاستقرار الأرضي، أطلقت مشهديته المتحولة سابحا في فراغ الكون، هو امتداد لرؤيتها الخيالية السابقة عبر سلسلة أعمال أخرى تبحر في عوالم غير مرئية، رحلات سفر لوني أطلقت عليها (سديم)، رؤية مطردة نحو التجريدية التعبيرية أو التشخيصية الإيمائية، لخلق عوالم فضائية تؤنسن الكتل الجامدة وتهبها نفحة حياة.

لوحة (22): (ما تبقى)

للفنانة يسرى عبدالله الحماقي

يأخذنا عنوان هذه اللوحة لمسار مفتوح حيث التجوال في جغرافية العمل المجرد الذي يخفي آثارا منسية وأخرى متراكمة تتحسسها العين واليد معا، عبر ملامس سطوح متباينة، خشن وناعم وما بينهما، ليتولد تكوين متآلف في حيز واحد.

نشم رائحة الأسمنت والجبس وبرادة الخشب تنبعث من خلفية الشكل المكسو بياضا بغلظة وطبقات لون، هو جدار معتق مليء بالحبيبات وبالنتوءات وخدوش سكين الرسم، والذي فردت على جزء من مساحته قطع خيش متلاصقة ذات لون رمادي متدرج، ولتقتحم عليهما التحاما خيوط من ليف النخيل المصطبغة باسوداد فاحم وقد وضعت بين جنبات الشكل وتمددت منه بعثرة، لتجعله مموها بين حالتين متباينتين، نسيج مترابط وانسلاخ متآكل، هو إسقاط رمزي لمتغيرات الزمن على مسيرة حياة الإنسان كيف تتولد بترابط وانشداد متماسك لا يشوبه شائبة، وفجأة يتفكك تدريجيا ويتبعثر كل شيء، وما يتبقى سوى بقايا أثر تحت رماد صمت الاحتراق.

هكذا وظفت يسرى خامات متعددة باشتغال مضن لتصوغ مشهدا بصريا لا يقرأ على عجل بل بتأمل واع، ومن يحدق مطولا سيتبين بأن جميع الكتل الملتحمة تشكل كائنا بشريا، يتبلور بين الحضور والغياب.

لوحة (23): (المشمر)

للفنانة أفراح حسين الحساوي

رداء ناعم شفاف ينسدل على كيان فتاة في ربيع العمر واقفة في دلال، مزهوة بجدائلها في حياء، لقطة جانبية لمحياها، والرأس مائل قليلا للأسفل، نظرة خجلى لمديح يسمع، إعجابا بها ولهندامها التراثي (المشمر)، أجنحة خيال تأخذها بعيدا.

أنفاس ذوق الأمهات المفتونات بالزخارف، نقشن على المشمر ألوانا من فرح وتشكيلات بهجة، تطريزات (المشامر) حكاية شجن لأنامل تسابقت في بث إحساسهن الفني. كان (المشمر) التي ترتديه الفتيات في السنين الخواليا تحفة قيمة ترى فيها جميع الألوان، إنه فن متوارث من الأسلاف.

ما أجمل أن يعاد إحياؤه وإن كان بألوان محايدة، كأن اللوحة صورة قديمة من صور الأبيض والأسود، هي تذكرة لمن شاء أن يتذكر الزمن الجميل، النابع والمتوج من صنع يدي، يعاد رسمه من أجل أن يبقى أيقونة اعتزاز بالهوية الوطنية.

ريشة أفراح هي من تطرز شخوصها من وحي مرئياتها المختزنة، دون الاعتماد على أي صور خارجية وتعرف أعمالها بمنطق السهل الممتنع رسما ولونا دون أي وسيط آخر وهذا يحسب لها، كل عمل تقدمه نابع من ذاكرتها الصورية ومن إحساسها الشفيف، لا تكل ولا تمل من رسم الجميلات وهن يرفلن بأزيائهن التراثية سواء بألوان متعددة أو ثنائية، وكأنها تهمس في أذن المتلقي باستمرار بدعوة مفتوحة لنعتز بلباسنا التقليدي الشعبي ففيه عمق وأصالة وحكاية ماض تليد يتجلى رونقا وألوانا من فرح وجمال.

لوحة (24): (شرفة)

للفنانة زهراء عبدالله شوكان

فتاة تقف في حنو ذات شعر منسدل يتموج بخصلات سوداء ورمادية وأغصان مورقة تتنوع ارتفاعاتها، وتنتصب شموخا في حراك، وكأن نسمة هواء تراقصهما حتى فاقت الأغصان ارتفاعا رأس الفتاة قليلا، بينما وجهها غارق في تأمل سارح نحو أمل يدنو ويبتعد، ملامح صامتة تعكس مشاعر دفينة، بينما العين الوحيدة المبالغ في حجمها نسبة للوجه، بامتدادها أفقي أقرب شكلا لعيون الفرعونيات مثل عدسة بانورامية تلتقط الزوايا المحسوسة وتبصر ما لا يرى وتقول ما لا يسمع، دلالة حدسية، بأن العين نافذة للروح، كتاب مفتوح لمرايا الذاكرة.

الاشتغال في اللوحة أقرب للتشكيل الزخرفي أو التصميم الطباعي، فلا دمج للون، فقط محددات الأشكال بين مسح لون أسود غامق والرمادي والأبيض الزنكي الهادئ، بساطة في تلوين قطع الشكل قطعة قطعة، لكن التناغم يسمع صدى بحفيف الورق ذو الخلفية شبه المستطيلة المصطبغة بالسواد، عنصران ملتحمان في كتلة واحدة، في رمزية بأن المرأة هي والزرع صنوان.

تواشج أرادته شاعرة المفردة لتسقطه شعرا مرسوما ناطقا بأشجان النفس وما يخالجها من أحاسيس متباينة، تآلف متآزر لأيقونة أنثى يتكرر حضورها في جل أعمالها مع تشابه ذات الوجه وذات السمات، هي مجازية ملونة لبوح مشاعر أنثى متدفقة تجزيها أبعادا بلاغية للآخرين من شرفة الحياة.

لوحة (25): (أثر)

للفنانة رقية آل سنان

صمت مطبق يلف أجواء اللوحة بأكملها، خالية من أي عنصر محدد، لا شيء ينتصب في الفراغ كعلامة دالة سوى قطعة قماش بيضاء ألصقت فوق سطح اللوحة الخشبي، ليس سطحا بسطح إنما بطريقة الطي، لتسفر عن ثنيات (كفسات) بارزة وغائرة، تموج ممدد أفقيا في الثلث الأسفل من اللوحة تشبه تضاريس أرض وعرة لصحراء مقفرة، حفرت الريح سطحها مثل الأخاديد، ينسحب بياضها الشديد نحو الأفق وينحسر توهجه بقوس رمادي مرمل ليكون فاصلا بين الأرض البيضاء ذات الثنيات المتعرجة والسماء السوداء المليئة بالحبيبات الرملية البارزة، تلمع بسبب انعكاس أي ضوء خارجي.

كأنها نجوم مبعثرة في الفضاء اللامتناهي، التقوس الرمادي خفف من شدة سطوع البياض ومن غلظة السواد الفاحم، احتكام فني مريح بصريا بمثابة همزة وصل بين اللونين المتباينين، إيجاز لوني بفرشاة عريضة أشبه بالمسح الطبقي السريع ولم تتحرك الفرش الصغرى ساكنا، ليس لها من تأثير فوق سطح خشن ذي مساحة فاضية، حيث لا مكان في اللوحة للشكل المباشر إنما عمل يدرك بالعين ويحس باللمس بين مستويين لا جامع بينهما، تعرج أرضية وخشونة الأفق بالفضاء مثل (نحت الريليف)، تقرأ اللوحة مساحة صمت موحية لبيداء مهجورة كانت عامرة بأهلها، غادروا المكان منذ زمن ولم يبقَ لهم سوى أثر تائه بين ثنيات الكثبان.

Uploaded Image

Uploaded Image

Uploaded Image

Uploaded Image

Uploaded Image


error: المحتوي محمي