الانهزامية مشكلة قد لا تظهر على الإنسان بوضوح، لكنها تتجسد في تصرفاته وقراراته اليومية، وأحيانًا لا يكون الإنسان منهزمًا بسبب مشكلة حقيقية، بل بسبب خوف داخلي أو ملل أو تردد لا يعرف كيف يتعامل معه.
نرى شخصًا يقبل على الزواج وهو سعيد ومتحمس، وبعد فترة قصيرة يبدأ يشعر بأن الحياة أصبحت عبئًا عليه، فيفكر في تركها، وقد تكون الأسباب بسيطة جدًا، أو ربما لا توجد أسباب واضحة، بل مجرد مخاوف داخلية تجعله يظن أن حياته السابقة كانت أفضل، فيبدأ بالبحث عن مخرج بدلًا من محاولة فهم المشكلة ومعالجتها.
ونجد آخر يحصل على وظيفة ويبدأ فيها بكل شغف، ثم بعد فترة يستقيل، ويبقى أشهرًا يبحث عن غيرها، وعندما يجدها يتكرر المشهد نفسه، وكأن المشكلة ليست في العمل بقدر ما هي في عدم القدرة على المثابرة عندما تهدأ حماسة البداية، ويبدأ الروتين، وتظهر الضغوط.
وهناك من نراه يداوم على حضور مجلس أو مكان معين، ويأتي إليه بكل إقبال، ويتواصل مع الناس، ثم يبدأ بالابتعاد تدريجيًا، أو يختفي فجأة دون سلام أو عتاب، وكأن شيئًا لم يكن، ولا خلاف ولا سبب واضح، بل مجرد رغبة داخلية في الابتعاد.
حتى السفر قد يكون مثالًا على ذلك؛ فمنا من يخطط لسفره طويلًا ويكون متحمسًا جدًا، لكنه ما إن يصل حتى يبدأ يشعر بالملل ويفكر في العودة، وكأن كل ذلك التخطيط والحماس الذي سبق الرحلة لم يكن موجودًا.
ولكن علينا أن نميز بوضوح؛ فليس كل ابتعاد هروبًا أو انهزامًا، فالإنسان قد يكتشف أن ما اختاره لا يناسبه، أو أنه في بيئة تضره، أو علاقة تؤذيه، وهنا قد يكون تركه للشيء هو القرار الصحيح والحكيم، بل والواجب.
لكن المشكلة عندما يصبح الهروب عادة وطريقة تفكير.
فكلما واجه الإنسان شيئًا لا يعجبه تركه، وكلما شعر بالملل بحث عن غيره، وكلما واجه ضغطًا اختار طريقًا آخر، وكلما تغيرت مشاعره ظن أن الحل في الابتعاد بدلًا من محاولة معالجة ما يواجهه.
الحياة ليست كلها شغفًا وفرحًا؛ فالزواج يحتاج إلى صبر، والوظيفة تحتاج إلى تحمل، والعلاقات تحتاج إلى رعاية ومثابرة، وحتى السفر قد تمر فيه لحظات من الملل والضيق، وهذا أمر طبيعي جدًا.
المشكلة أن البعض يريد أن يعيش كل شيء بنفس التوهج الذي كان في البداية، وعندما تهدأ تلك الحرارة يظن أن التجربة فشلت، بينما الحقيقة أن معظم الأشياء تبدأ بحماس، ثم تحتاج إلى جهد وثبات حتى تستمر وتثمر.
وأحيانًا لا يهرب الإنسان من المكان أو الشخص، بل يهرب من نفسه ومن مشاعره التي لا يعرف كيف يواجهها ويتعامل معها.
لهذا، قبل أن نتخذ قرارًا بترك أي شيء، ربما ينبغي أن نسأل أنفسنا بصدق: هل أنا فعلًا أمام مشكلة حقيقية تستحق هذا القرار، أم أنني فقط أشعر بالملل أو الخوف أو التردد؟
فالثبات ليس دائمًا بطولة، والتراجع ليس دائمًا انهزامًا، لكن الخطير أن يصبح الابتعاد هو الحل الأول والأسهل لكل موقف.
بعض الناس يبدؤون أشياء كثيرة، ولا يكملون منها إلا القليل؛ لأنهم ينتظرون دومًا أن تكون الظروف مثالية والمشاعر متوهجة، وهذا لا يتحقق أبدًا في واقع الحياة.
أحيانًا لا نحتاج إلى بداية جديدة، بل نحتاج فقط إلى أن نعطي ما بدأناه فرصة أكبر، وأن نتعلم كيف نستمر حتى عندما نفقد حماس البداية.
فالنجاح ليس في أن تبدأ بقوة، بل في أن تثابر وتكمل عندما تضعف الرغبة في الاستمرار.



