18 , أغسطس 2026

القطيف اليوم

حين يضيق الإمكان.. هناك همسة في منتصف الوجع

يمضي الزمن على عجل، والحياة في ظاهرها قصيرة جدًا، لكنها في باطنها عوالم كاملة؛ عوالم من الحكايات التي لا تُروى على الملأ، بل تُعاش في صمت، في تفاصيل يومنا الصغيرة، في تنهيدة نخفيها، وفي ابتسامة نرسمها رغم التعب.

أقف اليوم على الحد الفاصل بين المنطق واللامنطق، بين عجز الإمكان وضيق القناعة. إنه إحساس يثقل الروح، وتعب لا يُرى، وحنين جارف إلى لحظة استقرار؛ لحظة نتنفس فيها بعمق، ونرتاح فيها دون أن نخاف من الغد.

إن أشد الصراعات قسوة ليست تلك التي نخوضها مع الآخرين، بل هي تلك المعركة الخفية التي تدور في داخلنا؛ معركة لا يراها أحد، ولا يسمع ضجيجها أحد، لكنها كفيلة بأن تجعلنا تائهين عن مرادنا، لا نعرف ماذا نريد حقًا، وضائعين عن صورة من يمكن أن نكون لو تجرأنا.

ما أصعب تهذيب روحٍ اعتادت التشاؤم سكنًا، والتيه طريقًا، والضياع رفيقًا، وما أثقل تغيير فكرٍ تربّى على القيد سنين.

ومع ذلك، كان هناك في تلك الشخصية وميض خافت؛ بصيص صغير جدًا، لكنه كان صادقًا. بصيص أقنعني أن أبقى وأن أمد يدي.

ومع الأيام، ومع الحضور المتكرر في «الدورة الإنسانية الحرة»، انكشف لي السر بهدوء. اكتشفت أن هذه الروح كانت يومًا امرأة هادئة، مكتملة، يرف الحب في بيتها، ويضحك الأطفال حولها. ثم جاء حادثٌ ما، كسر شيئًا عميقًا فيها، وأعاد تشكيل ملامح حاضرها.

وحقًا أقول: النفس البشرية كونٌ قائم بذاته؛ يمتلئ بالعواصف، وبالسقوط، وبالخذلان، وبمحاولات النهوض المتعثرة. لكن رغم كل هذا الضجيج الداخلي، علينا أن نختار، حتى لو كانت خطوة واحدة صغيرة نحو السلام.

كانت تأتيني والارتباك يسبقها، والغضب يغلفها، وعيونها تسأل، وصوتها المكسور يقول لي: «لا أدري كيف سأكون لولاكِ». وهنا فهمت أن أحيانًا كل ما تحتاجه الروح المكسورة ليس حلًا سحريًا؛ كل ما تحتاجه هو من يراها، ويسمعها، ومن يقول لها: «أنا معكِ».

ولأنني أتحدث عن «الدورة الإنسانية الحرة»، فلا بد أن أقول: إن هذه الحكاية ليست وحدها. في كل دورة أجد أرواحًا تحمل قصصًا مشابهة؛ طالبات جئن بثقل، وخرجن بخفة، وطالبات جئن يبحثن عن إجابة، ووجدن أنفسهن.

تعلمنا معًا أن الوجع لا يُهزم بالإنكار، بل بالاعتراف، وبالمواجهة، وبالرفقة، وأن نهمس لبعضنا: «أنا أراكِ، حتى وإن لم يركِ أحد».

هذه حكاية إحدى طالباتي الفاضلات، وستقرأ سطورها بابتسامة حياءٍ تشبه نقاءها؛ ابتسامة تقول: «أخيرًا، أحد رآني وشعر بي».

وأقول لها من أعماق قلبي: اعلمي أنكِ رائعة، وكنتِ يومًا ينبوع تفاؤلٍ وإشراق وعطاء، وهذا ما رأيته فيكِ بين جنبات «الدورة الإنسانية الحرة».

أوثّق اليوم حكايتك، لأنها مرآة لواقعٍ تعيشه الكثيرات بصمت. شكرًا لثقتك، وشكرًا لأنكِ سمحتِ لي أن أكون رفيقة دربكِ حتى النور.

وإلى كل من تقرأ هذا الآن: تذكري أنكِ لستِ وحدكِ، وأن وراء كل وجه هادئ حكاية، ووراء كل صمت معركة. كوني لطيفة مع نفسكِ؛ فالشفاء لا يعني أن نعود كما كنا، بل أن نصبح نسخة أصدق وأقوى من أنفسنا.

خطوة خطوة، سنصل.

«حكاية من كواليس الدورة الإنسانية الحرة»


error: المحتوي محمي