هناك عبارات لا تحتاج إلى قاموس كي نفهمها، يكفي أن نسمعها في بيوتنا وفي المجالس حتى تبتسم الذاكرة، وتستحضر معها مواقف وأشخاصا وحكايات. ومن تلك العبارات الخليجيةالشعبية الجميلة, "على أدنات الدون"
عبارة قصيرة، لكنها واسعة الدلالة، تتبدل معانيها بحسب المقام. نقولها عن شخص اشتعل غضبه من أقل كلمة، ونقولها عن أمر لا يحتاج إلا إلى قدر يسير، وكأن العبارة في الحالتين تختصر شيئا من طبيعة الحياة اليومية، وطبيعة البشر أيضا.
لكن دعونا نبدأ من المعنى الأكثر حضورا في بيوتنا و مجالسنا، ذلك الإنسان الذي على أدنات الدون "يبرطم" اي ينفعل.
يكفي أن تطرح فكرة لا تعجبه، أو تنتقد سلوكا عاما، أو تتحدث عن ظاهرة اجتماعية، حتى يرفع حاجبيه، وتتغير نبرة صوته، ويبدأ في الدفاع عن نفسه، وكأن اللفظ ذكر من أجله، والحديث لم يطرح إلا ليستهدفه..
تقول له، يا رجل، نحن نتحدث عن موضوع عام
فيأتيك الرد قبل أن تكتمل الجملة، تقصدني أنا، أعرف عن من تتكلم. وهنا تبدأ المشكلة.
فنحن في زمن أصبحت فيه سرعة الرد أحيانا أسرع من سرعة الفهم. يقرأ البعض عنوانا فيغضب، ويسمع نصف الحديث فيحكم، ويلتقط كلمة من سياق طويل فيبني عليها موقفا كاملا.
لماذا نستعجل الغضب ..
ربما لأننا أصبحنا أكثر حساسية تجاه ما يقال عنا، وأقل صبرا على الاستماع إلى ما يقال أمامنا. نبحث أحيانا عن أنفسنا في الكلام قبل أن نبحث عن المعنى.
والأخطر من ذلك أن بعضنا لا يمنح نفسه فرصة السؤال البسيط، هل كان يقصدني فعلا
فليس كل حديث رسالة شخصية، وليس كل نقد اتهاما، وليس كل اختلاف في الرأي خصومة.
وقد يكون الكلام أبعد ما يكون عنك، لكنك قررت، على أدنات الدون، أن تضع نفسك في منتصفه ..
وهنا تحضر الحكمة الشعبية الجميلة،إياك أعني واسمعي يا جارة. فليس بالضرورة أن تكون أنت المقصود، حتى وإن وجدت في الكلام شيئا يشبهك.
والإنسان العاقل لا يقيس الكلام على نفسه مباشرة، بل يترك مساحة بين ما يسمع وبين ردة فعله. تلك المساحة الصغيرة اسمها التريث، وفيها يسكن كثير من الحكمة.
فكم من كلمة لو انتظرنا ثواني قبل الرد، لمرت بسلام.
وكم من موقف بدأ بانفعال بسيط، ثم تحول إلى قطيعة، ثم إلى خصومة، وربما بعد أيام اكتشف الطرفان أن المشكلة كلها قامت على سوء فهم
إن ضبط الانفعال لا يعني أن تكون ضعيفا، كما أن سرعة الغضب لا تعني القوة. القوة الحقيقية أن تستطيع أن تملك نفسك عندما تستفزك كلمة، وأن تؤجل ردك حتى تفهم، وأن تسأل قبل أن تحكم.
أما على أدنات الدون فلها وجه آخر لا علاقة له بالغضب.
فنحن نقولها أيضا عندما نتحدث عن مقدار قليل يكفي الحاجة.
قد يقول لك أحدهم، كم يكفيك مؤونة شهر
فتجيبه،على أدنات الدون، بذلك المقدار يكفيني ولعائلتي..
وقد تقول، لا تكثر، أعطني على أدنات الدون ..
وهنا تصبح العبارة تعبيرا عن القليل الكافي، أي الحد الأدنى الذي يؤدي الغرض ولا يزيد عليه.
وهذا الاستخدام الجميل يجعل العبارة أكثر ثراء، فهي تارة تصف إنسانا ينفعل من أقل سبب، وتارة تصف شيئا يكفي بـ أقل مقدار.
وكأنها، دون أن نشعر، تضع أمامنا درسا اجتماعيًا لطيفا،
لا تجعل غضبك على أدنات الدون، ولا تجعل أحكامك على أدنات الدون، ولا تجعل علاقتك بالآخرين رهينة لكلمة عابرة أو موقف ناقص.
اترك للناس مساحة للتوضيح، وللكلام مساحة للسياق، ولنفسك مساحة للتفكير.
فالحياة أقصر من أن نخسر إنسانا بسبب جملة لم نفهمها، وأجمل من أن نحول كل اختلاف إلى معركة.
وفي المرة القادمة، عندما تسمع حديثا وتشعر أن شيئا منه يلامسك، لا تتعجل.
ابتسم أولا.. واستمع حتى النهاية.
فربما تكتشف أن الكلام لم يكن عنك أصلا وعلى أدنات الدون لا تغضب ..
وإذا تحملتموني، فذلك على "أدنات الدون" أيضا.. لأنني لم آخذ من وقتكم إلا القليل، وأرجو أن أكون قد تركت فيكم شيئا يستحق التفكير.



