16 , أغسطس 2026

القطيف اليوم

ثنائي اللون عصف ذهني للمخيلة وفضاء للتأويل (4 -7)

لوحة (16) : ( فتاة تحت المطر )
للفنانة سكينة جعفر الصفار

يتداخل عنصران في رؤية مزدوجة ،حيث الدائرة تحيلنا لرأس فتاة وفي نفس الوقت يبدو قمرا مضيئا ومشعا في ليالي منتصف كل شهر ، وقديما كان نورا لدروب المسافرين عبر الصحاري والوديان ، ويقال مجازا عن الجميلة (قمر اربعة عشر) أي الفتاة ذات الوجه الحسن ، نورها يشع القا بين الوجوه ، لكن الوصف في اللوحة يتشضى لرؤية أخرى، هي فتاة وحيدة يبللها المطر، زخات تنعشها ، سعادة تحممها ، رأسها تلفه خطوط متقطعة على شكل دائرة، وكأن مزن السماء تطوقها بهالة طمأنينة ، تخلصها من هموم شاغلتها لتطرد عنها الحزن والأسى ، تخلت عن حذاؤهـا الأسود ليلامس جلد قدميها طين الأرض ولتتوحد مع الطبيعة، فهي خير معين لازالة الكدر ونسيان المتاعب .

نتحسس ضربات الفرشاة في تحريك الخطوط المنحنية التي توحي بالديناميكية التي اسفرت عن شكل مزدوج في المعنى والتكوين، نلمس التباين اللوني في بياض الدائرة وهي مركز السيادة في اللوحة وبين الحذاء الأسود الذي تركته خلفها قصدا ، إنها تتخلص من أثر ماض كان خطوه ثقيلا .

الفنانة سكينة هي أخت الفنانة جمانة صاحبة لوحة( نظرات لاتغادر) ، اتفقتا في هذا المعرض ضمنيا على التعبيرية عمايختلج النفس من صراع، اختان ابرزتا رمزية الماء في مشهدين، تلك رسمت انسياب وهذه انهمار ، بين دموع عين ودموع سماء رحلة شفاء من وجع وألم .

لوحة (17): ( همس المحيط )
للفنانة تقوى حسين الحصار

لوحة خيالية تجمع عالمين متبايين في آن واحد ، بين عناصر من اليابسة مثل الورود والبالونات وعناصر تعيش تحت الماء ، مشهد يضم سمكتين من أسماك (البيتا او الفايتر) والتي يطلق عليهم ضمنيا بأسماك الزينة ، سمكتان ناعمتان رقيقتان تسبحان بجوار بعضهما في تآلف وانسجام ، تتناغمان بصوت يسمى (همهمة أو صفير ) ، لغة جذب ومؤانسة فطرية ،اهتزاز ينشىء كرات مائية تتصاعد مع تراقص بالونات الفرح المعقودة خيوطها مع باقة الورود المنغرسة في القاع ، ثمة وردة نابتة في زعانف الذيل المتراقص ، تمثل الأنثى التي تتمايل رقة ودلالا ، وثالثتهما سمكة صغيرة في الأعلى تسمع همس الكبار ، بوح ريشة جعلتها الفنانة حاضرة وهي ترسم آخر عنصر وهي سمكة صغيرة لتحتفل مع بهجةالكائنات البحرية الساحرة ،مشهد رومانسي ليس للتباين الحاد مكانا بل لدرجات الرماديات المتموجة بابراز العناصر تجسيما واقعيا وغارقا مساحة اللوحة في لجة المحيط ، لمسات من بريق الأبيض على الاشكال هي التماعات الضوء القادم من السطح محمل بهدير الموجات ، نفحات وجدانية مرققة بتناغم لوني، نشعر بأن اللوحة لم تزل رطبة وبها شيء من بلل الماء ورسائل الشوق الندية.

لوحة (18) : (حين يمر الأمل )
للفنانة فاطمة علي آل زايد

خيل وسنابل وطير ، ثلاثة عناصر تشكل لوحة هادئة بنهج اكلاسيكي ، اتقان في رسم ملامح رأس الحصان مشغولة بتدرج الرماديات وشيء من اللون الأسود بطريقة (السوفت) التي تعطي تنقلات ناعمة بتأثيرات بصرية دقيقة، على الرغم من بساطة التكوين ومحدودية عناصره فأنه متقن بصورة صحيحة يحمل بعدا رمزيا وحواريا بين العناصر الثلاثة ، اذا تحيلنا الخيل للحديث الشريف :

(الخيل معقود في نواصيها الخير ..)

هنا الخيل تنظر للسنابل بتأمل وحوار لايسمع في اشارة لقيمة هذه النبتة الربانية التي ذكرت في الكتب المقدسة واتخذت شعارا للغذاء العالمي، هي رمزية للخير والعطاء والحياة .

اربع سنبلات تتمايل في وجه الخيل الخيرة ، هدوء شعيرات ريشة الفنانة يسمع التي فصلت ملامح رأس الخيل وجلال نظرتها الوادعة نحو السنابل وهي تتمايل رقة بسخاء الحبات المضاعفة ، لتغدو حصادا يجمع وينقل على ظهور الأحصنة كتجارة رابحة عبر دروب الأمس، وإلى اليوم تتلقفها الأيدي بيعا وشراء ، قوت تنتظره الافواه غنيها وفقيرها منذ فجر التاريخ وعبر دروب الحضارات ومسارات الأمم .

يعاد رسم سنابل الأمل بذرة في جوف الأرض لتغدو مزهرة، تنمو مع هبات النسيم وانغام الصهيل، حفيف سنابل واصوات مناجل يتردد صداها بين الأرض والسماء كطوق نجاة من الفقر والعجز والعوز ، خيل خير وسنابل خير والطير شاهد على الفة متبادلة بينهما منذ قرون .

مااحوجنا أن تمتلئ نفوسنا بالأمل
بسعي مطرد لنحمل بايدينا سنابل الخير .

لوحة (19) : ( حسناء البادية )
لوحة الفنانة هاجر وهب الشيتي

لوحة مقروءة بصريا تحمل بعدا تاريخيا واسفار الترحال ، وتذكرنا باعجازية الخلق بين الجمل والجمال فننظر للإبل كيف خلقت ، نظرة ليست عابرة نظرة فكر وتأمل عميق، وننظر للجمال الرباني الصافي البعيد عن أي تدخل او تزويق خارجي، ونقول سبحان الخالق وتبارك الصانع .

نرى إمرأة بزيها التقليدي البدوي تجاور سفينة الصحراء، جلسة الفة بين الإثنين ، لحظات استراحة ، لآمال معقودة تطوي الفيافي بحميمة صداقة ،لحظة صمت، ولغة العيون بينهما احاديث مشتركة، والنظرات كتاب مفتوح ، هسسة رمل يتموج والأفق ليس ببعيد ، مسافات تطوى خفافا ، هو مسير الحكايات لمن عبروا الدروب المفتوحة في الليالي المقمرة بانفاس العشق واشعار الوجد وعطش الأسفار .

ريشة هاجر تختال ضاحكة لهندام أمرأة بزيها التراثي الذي يرفل جمالا من تطريز الأنامل، بسمة الحسناء مخفية تحس من وراء حجاب، والكف تلويحة اساور ذهب من الأنامل للمعصم، توازيها دقة رسم الزخرفة الشعبية المطرزة على الدفة السوداء بخيوط الصبر اللامعة .

اشتغال واقعي صرف بخامة اقلام الفحم مع اجادة في حسن رسم ملامس السطوح بين جلد وجلد وبين قماش ورمل وتناسق نسب ، حسناء البادية بحليها وزيها التقليدي افتخار للموروث الشعبي وتأكيد للهوية .

صاحبة هذه اللوحة فنانة عصامية ترى الفن بلاغة جمال ناطق اوصلته من دون كلام ، فهي من فئة الصم والبكم وهذا يثبت بأن الفن رؤية بصرية بامتياز ، من يحسن قرائته عن كثب من لديه ذائقة فنية متنامية، تستكشف قيم الجمال وبواطن المعنى حتى في ابسط حالاته .

لوحة (20) : ( اصالة وشموخ )
للفنانة أمل غازي الأوجامي

عمل يتغنى بهاوية الصيد وتربية الصقور ، إن كان الشعراء استرسلوا في وصف ومدح رحلات الصيد وابرزوا اجواء وطقوس أيام (القنص) كأنها ماثلة للعيان ، كما نقرأ في (شعر الطرديات)،نحن لانقرأ قصائد فحسب بل نشاهد افلاما سينمائية من دقة الوصف ، صور شعرية ناطقة وعين فاحصة تلتقط مشاهد حركية ، فإن الرسم نافس الشعر بشكل طاغ، بالتقاط صور عديدة للصقارين ورحلات الصيد في أمكنة متعددة عبر صحاري الجزيرة العربية وبادية الشام والصحراء الافريقية الكبرى وبلاد ماوراء النهر.

عديد من الفنانين وثقوا مواسم الصيد من عرب ومستشرقين ، وهنا لوحة الفنانة أمل ابرزت لحظة حوار صامتة بين الصقار وطيره الواقف على يديه والمحمية بالقفاز الجلدي اتقاء من خدوش مخالبه الحادة والذي يسمى (درع او منقلة او دس ) .

تربية الطائر الجارح هو موروث موغل في القدم ولم يزل إلى اليوم حاضرا عند المتيمين بتدريب الصقور الذي يعد هواية باذخة وفخر قوة من اجل اصطياد الطرائد .

لم تكن ريشة أمل تقف عند رصد المشهد بصورة توثيقية كلاسيكية جامدة بل اعطته بعدا حركيا في طريقة الاشتغال المكثف عبر الخطوط المتناثرة والمتداخلة على وجه الصقار وملابسه وذيل الصقر ، جودة التعامل في تحريك الخطوط على العناصر اسبغ على التكوين ديناميكية جمالية ، إنها صنعة فنية تؤكد على مقدرة الأنامل في حسن توظيف الخط في خدمة الشكل ، اضافة لاشغال الخلفية ليس بامتداد الصحراء وتموج الكثبان بل بوضع شريط زخرفي افقي الشكل لنقل المشهد خارج بيئة الصيد ، لتعزبز هوية المعمار التقليدي كموروث مستدام كما الصيد .

والأجمل في هذا العمل بأن الفنانة لم تستخدم الا لون واحد وهو الأسود ، وهنا يكمن جانب آخر من حرفنة الرسم بأحادي اللون دون حتى دمج ، مستفيدة من بياض الورقة في لعبة التباين باقتدار ، تماما مثل حرفنة الصيد كلاهما يحتاجان لمهارة ودربة .

ومابين تجسيد الرسم واستدعاء صور الشعر تبرز المقولة الشهيرة ؛ ( الشعر رسم ناطق ، والرسم شعر صامت ) .







error: المحتوي محمي