16 , أغسطس 2026

القطيف اليوم

(الصَّحْنة) حين تلتقي حكمة الأمهات بعلم طب القلب

كم مرة سمعنا أمهاتنا يقلن: (لا تفاجئوه بالخبر أخاف تجيه الصَّحْنة).

لم تكن لديهن المصطلحات الطبية التي نعرفها اليوم، لكنهن أدركن بالتجربة أن الصدمة النفسية الشديدة قد تؤثر في الإنسان، ولذلك كنّ يحرصن على التدرج في نقل الأخبار المؤلمة، خاصة لكبار السن ومرضى القلب. واليوم يؤكد الطب أن بعض الصدمات النفسية الشديدة قد تؤثر فعلًا في عضلة القلب.

هناك حالة مرضية تُعرف باسم اعتلال عضلة القلب الناجم عن التوتر، ويُطلق عليها شائعًا متلازمة (القلب المكسور). وهي حالة معروفة لدى أطباء القلب، وقد تبدو في بدايتها كأنها جلطة قلبية، لأن أعراضها وتغيرات تخطيط القلب وبعض فحوصات الدم قد تتشابه معها.

أذكر من عملي الطبي حالة لامرأة في الستين من عمرها حضرت إلى قسم الطوارئ تشكو ألمًا شديدًا في الصدر وضيقًا في التنفس. وكانت الأعراض توحي بجلطة قلبية حادة، لكن عند السؤال عن بداية الأعراض، ذكرت أنها بدأت بعد ساعات من تلقيها خبر وفاة أحد أبنائها. أُجريت لها القسطرة القلبية، فكانت شرايين القلب سليمة، بينما أظهر تخطيط صدى القلب ضعفًا واضحًا في عضلة القلب. وبعد العلاج تحسنت حالتها تدريجيًا، وعادت وظيفة العضلة إلى طبيعتها خلال أسابيع. لم تكن جلطة قلبية، بل كانت متلازمة القلب المكسور.

وكانت أمهاتنا وكبار السن يطلقون على بعض هذه الحالات اسم (الصَّحْنة)، فإذا أرادوا إبلاغ شخص بخبر وفاة أو مصيبة، لم يفاجئوه بالخبر دفعة واحدة، بل مهدوا له شيئًا فشيئًا، خشية أن تجيه الصَّحْنة. لم يكن لديهم تفسير علمي لهذه الظاهرة، لكن كانت لديهم حكمة اكتسبوها من ملاحظة الناس وتجارب الحياة.

واليوم يفسر الطب جانبًا من هذه الحكمة، لكنه يوضح أيضًا أن (الصَّحْنة) ليست مرضًا ولا تشخيصًا طبيًا محددًا، بل مصطلح شعبي قد يصف استجابات مختلفة للصدمة. فقد تكون استجابة نفسية شديدة، وقد تكون متلازمة القلب المكسور التي ترتبط باستجابة الجسم الحادة للتوتر وإفراز كميات كبيرة من هرمونات التوتر، ومنها الأدرينالين، مما قد يؤدي إلى ضعف مؤقت في عضلة القلب. وفي حالات أخرى قد تكشف الصدمة عن مرض عضوي خطير، مثل جلطة في القلب أو اضطراب شديد في نظم القلب أو جلطة في الدماغ.

ولا تقتصر متلازمة القلب المكسور على الحزن؛ فقد تظهر بعد خوف شديد، أو حادث مفاجئ، أو ضغط نفسي عنيف، بل قد تحدث أحيانًا بعد فرحة غامرة وغير متوقعة. ومع ذلك، فإن معظم من يتعرضون لصدمات نفسية لا يصابون بهذه المتلازمة.

وتتشابه أعراضها مع أعراض الجلطة القلبية؛ فقد يشعر المريض بألم في الصدر وضيق في التنفس، وقد يصاحبه خفقان أو إغماء. وفي الحالات الشديدة قد يؤدي ضعف عضلة القلب إلى تجمع السوائل في الرئتين، أو انخفاض ضغط الدم، أو اضطراب في نظم القلب. ونادرا حتى وفاة الفجأة. ولحسن الحظ، يتحسن معظم المرضى، وتعود وظيفة عضلة القلب إلى طبيعتها خلال فترة من الأيام إلى الأسابيع.

وتُعد النساء، خاصة بعد سن اليأس، أكثر عرضة للإصابة بهذه المتلازمة، وإن كانت قد تصيب الرجال أيضًا.

إن التدرج في نقل الأخبار المؤلمة، خاصة لكبار السن ومرضى القلب، ليس مجرد عادة اجتماعية، بل تصرف يحمل قدرًا من الحكمة والرحمة، ويتوافق مع ما نعرفه اليوم عن تأثير التوتر الشديد في الجسم. ومع ذلك، إذا استمر ألم الصدر، أو صاحبه تعرق شديد، أو ضيق واضح في التنفس، أو إغماء، أو ضعف مفاجئ في أحد الأطراف، فلا ينبغي افتراض أن السبب نفسي، بل يجب طلب الرعاية الطبية فورًا؛ فقد يكون السبب حالة تستدعي علاجًا عاجلًا.

لقد سبقت حكمة أمهاتنا كثيرًا من التفسيرات العلمية؛ فقد أدركن بالفطرة أن للكلمة أثرًا، وأن طريقة نقل الخبر قد تخفف من وقع الصدمة. واليوم يشرح الطب جانبًا من هذه الحقيقة، ويزيدنا ذلك تأملًا في عظمة خلق الله تعالى؛ فالإنسان وحدة متكاملة، تتفاعل فيها النفس مع الجسد، ويتأثر القلب بما يجري في الشرايين، كما يتأثر بما يعتمل في النفس من أحزان وأفراح.

﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾
سورة الذاريات، الآية 21.


error: المحتوي محمي