أذكر أنني عند خروجي من حرم الأمامين الكاظمين عليهما السلام كنت أسير وصاحبي أمامي بمسافة وفي يده اليمنى سبحة يُسبّح بها بين أصابعه يمرر حباتها واحدة بعد أخرى في هدوء..
فلما أدركته نظرت إلى يده وإلى السبحة التي تسير معه وقلت له:
“هذه سبحة مؤمن”.
لم أقلها لأن السبحة في يده فقط ولا لأنه كان يحرك حباتها بين أصابعه ولكن لأن للمشهد شيئا آخر لم أستطع أن أقوله في لحظتها إلا بهذه العبارة.
رأيت السبحة في يده فرأيت معها معنى أكبر من حبات تُعد وذكراً يمشي مع صاحبه خارجاً من باب الحرم وكأن الذكر لم يبق في المكان كونه خرج معه إلى الطريق.
وربما لهذا بقيت تلك اللحظة في ذاكرتي لأنني لم أر يومها سبحة في يد رجل إذ رايت ما يمكن أن تكون عليه سبحة المؤمن.
بعض السُبح تُمسك باليد وبعضها تمسِك بصاحبها..
تراها بين أصابع رجل جلس وحده يحرّك حباتها بهدوء واحدة إثر أخرى وكأنّه لا يريد أن يوقظ شيئًا نائمًا في داخله فلا يتعجلها ولا ينظر إلى عددها فالأمر عنده أكبر من أن يكون عدًّا وأعمق من أن يكون عادة مكرورة.
هي سُبحة - نعم - ولكنها في يده شيء آخر فكل حبة تمر تحت إصبعه تترك في قلبه أثرًا لا تراه العين.
يستغفر فيستعيد من نفسه شيئًا أضاعه ويحمد فيتذكر نعمًا مرت عليه فيحمد الله.. يستغفره ويشكره ويصلّي على النبي وآله فيلين في داخله شيء كان قد قسا ويدعو فيضع بين يدي الله ما عجز عن حمله وحده.
ولذلك لا تشبه السُبحة في يد المؤمن ساعة في يد رجل آخر فقد تكون الخرزات متشابهة والحبل واحدًا والعدد لا يتغيّر لكن الذي يجلس خلفها هو الذي يمنحها معناها.
هنالك يد أمسكت سبحة ولم يتحرك القلب بها!
إذ كانت عادة وترمز كما اراه من بعض شبابنا هذه الأيام زينة وإيتيكيت.
وهنالك قلب ذكر الله دون أن تكون في يده سبحة!
فليست قيمة الذكر في الخرز فذلك الموضع الخفي الذي يصل إليه الذكر ولا يصل إليه أحد هي القيمة.
أحيانًا تكون السبحة رفيقةَ الوحدة..
يجلس صاحبها بعيدًا عن ازعاج وضجة الناس أو حتى أثناء استماعه لشيء ويبدأ تحريك حباتها ولا يسألها أحد عمّا يقول ولا تسأله هي عمّا يخفي.
لا تفضح ارتجافة إصبعه ولا حركته ولا تفسّر طول سكوته وحركة شفاهه ولا يعرف الناس كم مرّة توقف عند حبة واحدة لأن ذكرة ما اعترضت طريق الذكر.
وقد تكون السبحة ذاكرة أيضًا.. ربما ورثها رجل عن أبيه أو عن صديق حبيب فبقيت في يده لا لقيمتها إذ أن أصابع الأب أو الحبيب مرّت عليها قبل سنوات.. وربما كانت هدية من صديق غائب ورفيق سفر أو شخص لم يعد في الدنيا فأصبحت حباتها تحمل من صاحبها ما لا تحمله الصور.
وهناك سبحات لا يعرف أصحابها أنها أصبحت جزءًا من سيرتهم.
في جيب الرجل سبحة رافقته إلى المستشفى وإلى المقبرة وإلى مجلس فرح أو عزاء وإلى مقعد وحيد في آخر الليل. .سبحة شهدت خوفه ولم تتكلم وسمعت دعاءه ولم تنقله إلى أحد وعرفت من انكساراته أكثر مما عرف أقرب الناس إليه وربما وضعها على عينيه وهو يدعو.
أحيانًا السبحة لا تُصلح الإنسان وحدها وإنما هي تذكره فقط فللقلب باب لا ينبغي أن يُغلق وأن الإنسان مهما انشغل ومهما أخذته الدنيا في طرقها يحتاج إلى لحظة يعود فيها إلى نفسه ثم يتجاوز نفسه إلى ربّه.
فالمؤمن لا يحمل السبحة لأن يده اعتادت حملها ولكن القلب يحتاج أحيانًا إلى علامة صغيرة تردّه إلى المعنى الكبير.
ومع ذلك هنالك شيء آخر تقوله السبحة فهي تعلّم صاحبها أن الأشياء بما تركته من أثر و ليست بكثرتها.
حبة واحدة قد تفتح بابًا من الرجاء وذكر واحد قد يطفئ شيئًا من الغضب واستغفار صادق قد يجعل المرء يرى خطأه بعين لم تكن له قبل لحظات وحمد واحد قد يذكّره ويقع في خلجات نفسه بأن ما ينقصه ليس كلَّ ما يملكه وأن ما يملكه أكثر مما كان يظن.
ثم إن في انتظام حبات السبحة - حبة وراء حبة - لا تقفز واحدة فوق أخرى ولا تصل الأخيرة إلا بعد أن تمرّ التي قبلها..
وهكذا العمر.
يحسب الإنسان سنواته أعوامًا بينما تُحسب في الحقيقة لحظات صغيرة متتابعة .. صباح يأتي وليل ينقضي ووجه نراه ووجه نفتقده ويد نصافحها ويد لا نملك الوصول إليها وكلمة نقولها وأخرى نتمنى لو أننا امسكنا بها قبل أن تخرج.
ثم نلتفت ذات يوم فنكتشف أن السبحة الطويلة التي ظنناها أمامنا لم يبقَ منها إلا حبات قليلة.
ولذلك ربما كانت السبحة في يد المؤمن تذكيرًا بالموت أكثر من كونها تذكيرًا بالذكر.. ليست لتخويفه وإنما لإيقاظه.
فما دام في اليد حبة تتحرّك ففي العمر لحظة أخرى يمكن أن تُصلح فيها شيئًا وما دام اللسان قادرًا على الاستغفار فباب الرجوع والتوبة لم يُغلق..
وما دام القلب يعرف الطريق إلى الله فليس كل ما مضى خسارة وإنما قبل أن يقول الإنسان “ربي أرجعون”.
لهذا أحبّ صورة الرجل الذي يضع سبحته إلى جواره بعد أن ينتهي.. لا يضعها كما يضع شيئًا فرغ من استعماله ويضعها كما يضع رفيقًا يعرف أنه سيعود إليه.
وقد لا يعود إليها في اليوم نفسه لكنها ستبقى هناك تنتظر يدًا تعرفها.
وربما في الغد يمرّر حبة بين أصابعه ويبدأ من جديد..
سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر …
الحمد لله…
أستغفر الله…
ثم تمضي الحبات.. ولا ندري في تلك اللحظة من الذي كان يعدّ ماذا..
أكان يعدّ الذكر؟ أم كان الذكر يعدّ له ما بقي من قلبه؟
أو أكانت أصابعه تقلب حبات السبحة؟ أم كانت الحبات تقلب صفحات عمره واحدة واحدة؟
ربما سبحة المؤمن هذه تبدو في يده شيئًا صغيرًا بينما تحمل في داخلها عمرًا كبيرًا كذكر لا يراه الناس ودمعة لم تسقط أمام أحد ودعاء لم يسمعه بشر وذنوبًا يتمنى أن تُمحى ونعمًا يخجل أن ينساها وأحلامًا يرفعها إلى السماء وقلبًا يعرف ـ مهما ابتعد ـ أن له ربًّا يعود إليه.
ثم تبقى آخر حبة بين إصبعيه…
فيقول..
الحمد لله..
وكأنّه لا يختم الذكر ويختم صفحة من عمره..
ويفتح التي بعدها.
فلما أدركته نظرت إلى يده وإلى السبحة التي تسير معه وقلت له:
“هذه سبحة مؤمن”.
لم أقلها لأن السبحة في يده فقط ولا لأنه كان يحرك حباتها بين أصابعه ولكن لأن للمشهد شيئا آخر لم أستطع أن أقوله في لحظتها إلا بهذه العبارة.
رأيت السبحة في يده فرأيت معها معنى أكبر من حبات تُعد وذكراً يمشي مع صاحبه خارجاً من باب الحرم وكأن الذكر لم يبق في المكان كونه خرج معه إلى الطريق.
وربما لهذا بقيت تلك اللحظة في ذاكرتي لأنني لم أر يومها سبحة في يد رجل إذ رايت ما يمكن أن تكون عليه سبحة المؤمن.
بعض السُبح تُمسك باليد وبعضها تمسِك بصاحبها..
تراها بين أصابع رجل جلس وحده يحرّك حباتها بهدوء واحدة إثر أخرى وكأنّه لا يريد أن يوقظ شيئًا نائمًا في داخله فلا يتعجلها ولا ينظر إلى عددها فالأمر عنده أكبر من أن يكون عدًّا وأعمق من أن يكون عادة مكرورة.
هي سُبحة - نعم - ولكنها في يده شيء آخر فكل حبة تمر تحت إصبعه تترك في قلبه أثرًا لا تراه العين.
يستغفر فيستعيد من نفسه شيئًا أضاعه ويحمد فيتذكر نعمًا مرت عليه فيحمد الله.. يستغفره ويشكره ويصلّي على النبي وآله فيلين في داخله شيء كان قد قسا ويدعو فيضع بين يدي الله ما عجز عن حمله وحده.
ولذلك لا تشبه السُبحة في يد المؤمن ساعة في يد رجل آخر فقد تكون الخرزات متشابهة والحبل واحدًا والعدد لا يتغيّر لكن الذي يجلس خلفها هو الذي يمنحها معناها.
هنالك يد أمسكت سبحة ولم يتحرك القلب بها!
إذ كانت عادة وترمز كما اراه من بعض شبابنا هذه الأيام زينة وإيتيكيت.
وهنالك قلب ذكر الله دون أن تكون في يده سبحة!
فليست قيمة الذكر في الخرز فذلك الموضع الخفي الذي يصل إليه الذكر ولا يصل إليه أحد هي القيمة.
أحيانًا تكون السبحة رفيقةَ الوحدة..
يجلس صاحبها بعيدًا عن ازعاج وضجة الناس أو حتى أثناء استماعه لشيء ويبدأ تحريك حباتها ولا يسألها أحد عمّا يقول ولا تسأله هي عمّا يخفي.
لا تفضح ارتجافة إصبعه ولا حركته ولا تفسّر طول سكوته وحركة شفاهه ولا يعرف الناس كم مرّة توقف عند حبة واحدة لأن ذكرة ما اعترضت طريق الذكر.
وقد تكون السبحة ذاكرة أيضًا.. ربما ورثها رجل عن أبيه أو عن صديق حبيب فبقيت في يده لا لقيمتها إذ أن أصابع الأب أو الحبيب مرّت عليها قبل سنوات.. وربما كانت هدية من صديق غائب ورفيق سفر أو شخص لم يعد في الدنيا فأصبحت حباتها تحمل من صاحبها ما لا تحمله الصور.
وهناك سبحات لا يعرف أصحابها أنها أصبحت جزءًا من سيرتهم.
في جيب الرجل سبحة رافقته إلى المستشفى وإلى المقبرة وإلى مجلس فرح أو عزاء وإلى مقعد وحيد في آخر الليل. .سبحة شهدت خوفه ولم تتكلم وسمعت دعاءه ولم تنقله إلى أحد وعرفت من انكساراته أكثر مما عرف أقرب الناس إليه وربما وضعها على عينيه وهو يدعو.
أحيانًا السبحة لا تُصلح الإنسان وحدها وإنما هي تذكره فقط فللقلب باب لا ينبغي أن يُغلق وأن الإنسان مهما انشغل ومهما أخذته الدنيا في طرقها يحتاج إلى لحظة يعود فيها إلى نفسه ثم يتجاوز نفسه إلى ربّه.
فالمؤمن لا يحمل السبحة لأن يده اعتادت حملها ولكن القلب يحتاج أحيانًا إلى علامة صغيرة تردّه إلى المعنى الكبير.
ومع ذلك هنالك شيء آخر تقوله السبحة فهي تعلّم صاحبها أن الأشياء بما تركته من أثر و ليست بكثرتها.
حبة واحدة قد تفتح بابًا من الرجاء وذكر واحد قد يطفئ شيئًا من الغضب واستغفار صادق قد يجعل المرء يرى خطأه بعين لم تكن له قبل لحظات وحمد واحد قد يذكّره ويقع في خلجات نفسه بأن ما ينقصه ليس كلَّ ما يملكه وأن ما يملكه أكثر مما كان يظن.
ثم إن في انتظام حبات السبحة - حبة وراء حبة - لا تقفز واحدة فوق أخرى ولا تصل الأخيرة إلا بعد أن تمرّ التي قبلها..
وهكذا العمر.
يحسب الإنسان سنواته أعوامًا بينما تُحسب في الحقيقة لحظات صغيرة متتابعة .. صباح يأتي وليل ينقضي ووجه نراه ووجه نفتقده ويد نصافحها ويد لا نملك الوصول إليها وكلمة نقولها وأخرى نتمنى لو أننا امسكنا بها قبل أن تخرج.
ثم نلتفت ذات يوم فنكتشف أن السبحة الطويلة التي ظنناها أمامنا لم يبقَ منها إلا حبات قليلة.
ولذلك ربما كانت السبحة في يد المؤمن تذكيرًا بالموت أكثر من كونها تذكيرًا بالذكر.. ليست لتخويفه وإنما لإيقاظه.
فما دام في اليد حبة تتحرّك ففي العمر لحظة أخرى يمكن أن تُصلح فيها شيئًا وما دام اللسان قادرًا على الاستغفار فباب الرجوع والتوبة لم يُغلق..
وما دام القلب يعرف الطريق إلى الله فليس كل ما مضى خسارة وإنما قبل أن يقول الإنسان “ربي أرجعون”.
لهذا أحبّ صورة الرجل الذي يضع سبحته إلى جواره بعد أن ينتهي.. لا يضعها كما يضع شيئًا فرغ من استعماله ويضعها كما يضع رفيقًا يعرف أنه سيعود إليه.
وقد لا يعود إليها في اليوم نفسه لكنها ستبقى هناك تنتظر يدًا تعرفها.
وربما في الغد يمرّر حبة بين أصابعه ويبدأ من جديد..
سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر …
الحمد لله…
أستغفر الله…
ثم تمضي الحبات.. ولا ندري في تلك اللحظة من الذي كان يعدّ ماذا..
أكان يعدّ الذكر؟ أم كان الذكر يعدّ له ما بقي من قلبه؟
أو أكانت أصابعه تقلب حبات السبحة؟ أم كانت الحبات تقلب صفحات عمره واحدة واحدة؟
ربما سبحة المؤمن هذه تبدو في يده شيئًا صغيرًا بينما تحمل في داخلها عمرًا كبيرًا كذكر لا يراه الناس ودمعة لم تسقط أمام أحد ودعاء لم يسمعه بشر وذنوبًا يتمنى أن تُمحى ونعمًا يخجل أن ينساها وأحلامًا يرفعها إلى السماء وقلبًا يعرف ـ مهما ابتعد ـ أن له ربًّا يعود إليه.
ثم تبقى آخر حبة بين إصبعيه…
فيقول..
الحمد لله..
وكأنّه لا يختم الذكر ويختم صفحة من عمره..
ويفتح التي بعدها.



