12 , أغسطس 2026

القطيف اليوم

لعبة الكراسي بعد التغيير

اعتدنا لعبة الكراسي على قانونٍ عجيب: كراسٍ أقل، ومتسابقون أكثر، ومن لم يجد له مقعدًا خرج؛ حتى كأن النجاح لا يكتمل إلا بإقصاء غيرك، والربح لا يحلو إلا بخسارة منافسك. وهذه صورة مصغّرة من عقلية الندرة: أنا أو أنت، مكسبٌ لي وخسارةٌ لك، وبقاءٌ لي وإقصاءٌ لك.

فلماذا لا نغيّر اللعبة قبل أن تغيّر اللعبةُ أخلاقنا؟

لنجعل الكرسي يتّسع لاثنين، ومن لم يجد شريكًا ينسحب؛ عندها ينتقل التفكير من أنا وحدي إلى أنا وشريكي، ومن المنافسة على الإقصاء إلى المنافسة على الاحتواء، ومن ثقافة الاستحواذ إلى ثقافة التعاون والانتفاع.

فالإنسان إذا تربّى على أن فوزه مرهونٌ بخسارة غيره، قد يكبر وفي نفسه خوفٌ من المنافس، وقلقٌ من الناجح، وفرحٌ بتعثّر الآخر؛ أما إذا تربّى على المشاركة، تعلّم أن نجاح غيره لا ينتقص نجاحه، وأن السوق يتّسع للمبدعين، وأن الرزق ليس كرسيًا واحدًا يتقاتل عليه الجميع، بل أبوابٌ يفتحها ربٌّ كريم.

وفي موروثنا يقال: «كل مشروك مبروك»؛ وفي ديننا اجتماعٌ في الصلاة، وتعاونٌ في البر، وتكافلٌ في الصدقة، وتشاورٌ في الأمر، وصلةٌ للرحم، وعيادةٌ للمريض، وتشييعٌ للميت. يقول تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾، ويقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾. حتى صلاة الجماعة فُضّلت على صلاة الفرد، لأن في الاجتماع قوةً للروح، وأُنسًا للنفس، وتعارفًا بين الناس.

والعزوة بالأهل، والقوة بالعشيرة، والبركة بالرفقة؛ فالإنسان بطبعه يأنس بالإنسان، بينما الوحدة الطويلة قد تزيد العزلة والقلق وتضعف الروابط.

في التجارة أيضًا يمكن لمنافسين أن يتشاركا سوقًا، ولمشروعين أن يتعاونا في خدمة، ولخبرتين أن تجتمعا فتصنعا فرصةً لم تكن موجودة.

غيّروا لعبة الكراسي:
لا تبحثوا عمّن تُسقطون… بل عمّن تُجلسون،
ولا تسألوا: كيف أفوز وحدي؟
بل اسألوا: كيف نفوز جميعًا؟

فالوفرة تصنع الشركاء، والندرة تصنع الخصوم؛ ومن اتّسع فكره، اتّسع رزقه، واتّسع أثره، واتّسع حوله البشر.


error: المحتوي محمي