12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

محراب التكوين (٣).. مركز العبودية

تتعدد تلك الآثار والمكتسبات التي تسكن في عقل المصلي ونفسه، وتتجلى في سلوكيات وتصرفات تمتاز بالحكمة والاستقامة وضبط الانفعالات. وهذه العطايا النورانية والأهداف السامية لا يتم تحصيلها بمجرد الأداء البدني وإقامة هيئة الصلاة، بل إن حضور القلب، والتأمل في أفعال الصلاة، واستذكار الوقوف بين يدي الخالق العظيم، هو ما يمنح تلك الصلاة معنى الخشوع وحقيقة التأثير.

كما أن ترتيب الأولويات من أهم آثار الصلاة؛ فهي تعيد بناء المركز الداخلي للإنسان، وتدفعه بقوة نحو التعامل الجاد والحازم مع الدور المناط به في هذه الحياة، فالصلاة بوصلة تضع بين عينيه محدودية الأعمار، وتذكره بأن الغاية المنشودة هي إعمار الآخرة بالأعمال الصالحة، وتكوين رصيده الفعلي فيها.

وهذا ما يجعله يتفاعل مع البعد الزمني ويتعامل معه بحرص ومسؤولية وهمة واغتنام، ويعيش أنسا بذكر الله تعالى، بعد أن تسكن الطمأنينة والراحة النفسية قلبه، ويشعر بروحية خاصة تسحب منه علامات القلق واستنزاف الضغوط النفسية.

فالإنسان يتأرجح في حاكمية أفعاله وتصرفاته بين سلطان المصالح والأهواء من جهة، وسلطان العبودية الحقة وفهم قوانين الحياة ونظمها السائرة وفقا لها من جهة أخرى.

فالإنسان في جانبه المادي يتكون من مجموعة من الغرائز التي يسعى إلى تحصيلها وإشباعها، ولا تباين في ذلك بين المصلي وغيره؛ إذ إن الغرائز تعبر عن الجانب الطبيعي والفطري المغروس فيه، ولكن الفارق يكمن في كيفية تلبية ندائها بما يتوافق مع الفطرة الإلهية التي كرم الله بها الإنسان، بما أودعه فيه من عقل ووعي، ونفس ونزاهة وطهر.

فالنظرة الدينية لا تلغي وجود الغرائز ولا تعطل دورها، وكيف يكون ذلك وهي ذات دور إيجابي يحرك النفس نحو العمل والمثابرة؟

وإنما تكمن هذه النظرة الراقية في تهذيب تلك الغرائز وتقنينها ضمن إطار تنظيمي يحافظ على سمت الإنسان وكرامته.

وللصلاة دور مؤثر في عملية تربية النفس، وتقوية الإرادة، وإحياء الضمير الذي ينظم حياة الإنسان؛ فحين يقف المؤمن بين يدي الله تعالى، يتراجع سلطان المصالح والأهواء والرغبات الدنيئة، ويتقدم سلطان العبودية والافتقار إلى الغني المطلق، ويتحرر الإنسان من عبودية المال والجاه.

وليس معنى ذلك قمع غريزة حب المال، أو حب النفس، أو الرغبة في تبوؤ أعلى الدرجات، وهي الرغبة التي يمكن أن تكون طموحا محمودا، وإنما المقصود تهذيب هذه الغرائز وتنظيمها في إطار لا يؤدي إلى إسقاط النفس في البخل والأنانية والجشع والتكبر، ولا يدفع بها إلى اختراق منظومة القيم الأخلاقية والاجتماعية، كالحسد والحقد وإضمار السوء.

وإذا أردنا الوقوف على نص يجلي حقيقة التأثير التربوي للصلاة في النفس، فلنتأمل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ {العنكبوت الآية ٤٥}.

ففي هذه الآية إشارة إلى أثر يتجاوز صورة الصلاة إلى حقيقتها التربوية في النفس؛ فالصلاة التي تستحضر عظمة الله تعالى، وتستشعر رقابته الدائمة للإنسان في جميع أحواله، توقظ معنى المراقبة، وتنمي هيمنة الضمير الحي وسيطرته، وتزرع في القلب قوة باطنية تجعل الإنسان أقل قابلية للاستسلام لنوازع الهوى والانحراف.


error: المحتوي محمي