09 , أغسطس 2026

القطيف اليوم

من أين أبدأ لو أمكنني أن أكون أستاذة مرة أخرى


صدقاً، مع اقتراب الدراسة للطلبة والطالبات، دائماً يُفتح باب السؤال بتحفظٍ شديد.

تسألني الكثيرات: متى أبدأ ثانيةً إعادة الدورات الإنسانية؟

حيث طال الغياب، ولقد حرّك هذا السؤال شغف الخيال والحماس بداخلي للوقوف باحترامٍ وشموخٍ ثانيةً أمام طالباتي الفاضلات.

هنا أشعر بهيبة الفصل ونظرة الطالبات الأولى، والتي تجعلني أجزم: لو خُيّرت بين كنوز الدنيا وبين دقيقة واحدة في الفصل لأخترت الوقوف أمام الطالبات.

لعلّي أستشف في عيون البعض شغف الحماس يولد من جديد.

فالتدريس لدي لم يكن وظيفة أو هواية، كان نبضاً وبقلب ممتلئ.

كنت سأقف من جديد لا لأدرّس قواعد اللغة الإنجليزية، بل لأدرّس بأن للإنسان قيمة، وأن للعلم أياً كان نوعه وماهيته باباً مفتوحاً للجميع.

حينها سوف أشعر بذلك الشغف الذي لا يشبهه شغف آخر.

في هذا النص لن أشرح عن مناهج الدورة الإنسانية، حيث إنه ليس سجل دروس ما سيُقرأ هنا!

ولكني أُعدّه وأسميه “سجلا إنسانياً بين السطور”.

وطبيعة الدورة كانت خارج الكتب الدراسية وداخل الحياة.

ومن خلال تجربتي الثرية في التدريس الإنساني أدركت أن التدريس ليس نقل أو تلقين معلومات، ولكنني اتخذت مبدئي الخاص بأن التدريس أن أقول للقلوب المكسورة: “تعالوا أنا هنا.

وأن أحرص على أن تكن راضيات.

هذه أمور أُجيدها وأتقنها، وأدرك كيف أساعدكن على التعلم.

ولكنني اليوم، وأنا أنظر إلى الوراء، أتذكر كم كنت سأثري عقولكن عزيزاتي لو كنت أعلم حينها ما علّمتكن إياه.

كم كان ذلك سيثير حماسي وشغفي!

لم تكن الدورات فصلاً في مدرسة أو في معهد، كان بيتي المتواضع الذي يصحى قبلي.

بيت تحوّل على مدى أكثر من عقدين إلى مدرسة مفتوحةٍ للجميع.

كان مليئا بأنفاس الطالبات وبرائحة القهوة.

كنت أقف صباحاً ومساءً يومياً ساعتين لكل فترة، ويتم طرح الدرس بالإنجليزية الذي أُعدّه بنفسي وأترجمه، ثم أُجسّده بمواقف من الحياة ومن بعض تجاربي الشخصية الملهمة!

كنت لا أدرّس اللغة، ولكن كنت أدرّس كيف نحب ونحترم ونشكر ونعتذر ونعطي، وكيف نصغي بقلوبنا قبل آذاننا.

نعم، طبيعة التدريس هي التهذيب الروحي قبل الحروف.

حيث كنت أدرّس أملاً، وكنت أؤمن تماماً أن اللغة بلا خُلقٍ ضجيج، وأن الكلمة الإنجليزية تندثر وتموت إن لم تُستخدم بأدب، وأن العلم بلا إنسانية يضل الطريق ونتيه الدرب.

هنا أُعدّ فصلي مميزاً استثنائياً، حيث لم يكن درساً في اللغة، بل كان دواءً ودرساً في الإنسانية.

اليوم وبعد كل هذه السنين، لا يحضرني عدد الدروس ولا عدد الشهادات الأنيقة التي قدمتها للطالبات.

لكنني لا زلت أتذكر احترام طالباتي ودعواتهن القلبية، ولا زلت أتذكر نظرات الفهم والإدراك التي ارتسمت على وجوه البعض، واللاتي كن يظن أن العلم الإنساني ليس لهن.

هذا أقل ما أتذكره عن إنجازي الشخصي، والذي دائماً أقول بأنني لم أعلم لغة بل غرست الإنسانية لدى الكثيرات.

لا زلت أتذكر أن بيتي الصغير قد اتسع لقلوب كثيرة، وأن الساعتين يومياً تساوي عمراً، والوقت كان يتحول إلى دعوات وأمنيات!

هناك من يتعجب: كيف لفصل تعليمي دون سبورة!

نعم، لم أستعن أو أتكئ على سبورة لأعلم حروفاً أو كلمات لأي دورة! ولم أستخدم مكبر الصوت رغم أن عدد الطالبات فوق المطلوب.

ترى أين العجب في ذلك! ألا يكفي أن كان الفصل ممتلئاً بالبشر!

نعم، في فصلٍ واحد، وفي بيتٍ واحد، وبمختلف الأعمار والمستويات، وبمختلف البيئات، الجميع يتفقن على أهمية الحضور.

هناك سيدة كبيرة في السن مستوى تعليمها الأكاديمي بسيط، تتعلم وتراسل ابنتها في الخارج وتبث فيها الأمل.

وهناك فتاة صغيرة خجولة لا تجرؤ على الحوار رغم احتواء الجميع إياها.

وأيضاً هناك والدة أنهكها تعب المسؤولية وحضورها يبث فيها السكينة والاسترخاء، إلى جانب طالبة تطمح وتبحث عن وظيفة.

هكذا فصلي لم يفرق بين متعلمة وجاهلة، كان يعلم الجميع معنى أن تكون إنسان!

من المصادفة الجميلة في إحدى الدورات حضرت الجدة وابنتها وحفيدتها، وكل واحدة تدرك فكرة الدروس بطريقتها.

ومن قيمة الدروس أن إحدى الطالبات قد حضرت الدرس مساءً في حين أن أخاها يتم تشييع جنازته لمثواه.

ولقد بررت لي حضورها باحترامها لوقوفي الثابت حتى في أصعب الظروف!

نعم، كنت في إحدى الدورات قد أُصبت بالحزام الناري وكان موجعاً للغاية، أفقدني راحتي وطاقتي.

كنت أذهب الفجر للعلاج لأهدأ قبل بداية الدرس احتراماً لوقت طالباتي، والذي استوقف الكثيرات.

ولكن تعلمت الطالبات من خلاله أن المرء بكلمته.

وكان عليّ أن أذكر موقفاً أيضاً: لقد حضرت عميدة كلية لينكون بالقطيف، مسز “بات” اسمها المعروف لدى الطالبات هناك.

وكان عنوان الدرس “الجمال الداخلي” ولقد لفت انتباهها فكرة الطرح، فوقفت قائلة: “تمنيت ابنتي حاضرة الدرس لتدرك أن الجمال ليس المظهر الخارجي كما يبدو لها أبداً”.

وعلى إثر ذلك طلبت مني طرح درسٍ أسبوعي بالكلية وللأسف اعتذرت لضيق الوقت.

لعلني أقف ثانية من جديد كأستاذة لأطرح درساً مميزاً من جديد عن رؤية البشر!

درساً عن البصر، لا بصر العين الذي يرى الشكل فقط، بل بصر القلب الذي يرى ويشعر بالوجع والحاجة.

ولأعيد درسي عن فن الإصغاء: كيف نصغي لأنين لا يُقال بل بالملامح، فالإصغاء ليس سكوتاً بل حضوراً عميقاً.

وكيف نسمع صمتنا يصرخ، وكيف نرى دمعة لم تسقط بعد.

نعم، هذه طبيعة دوراتي الإنجليزية. حيث لا أمارس ولا أعتمد على الترجمة اللغوية حرفياً، ولكن أترجم الوجع والألم إلى احتواء.

حيث كنت أُجسد الدروس بمواقف عملية في الفصل!

لقد تعلمت الطالبات أن بداية الدرس لا تبدأ بـ “Hell” بل بتلاوة قرآنية ودعاء قصير.

عندما أُدرّس عن حقيقة بعض البشر بالأخص القبيحة على نطاق واسع، أقول لنفسي: لو أتيحت لي فرصة أن أكون معلمة مرة أخرى، لعلّمتكن التفكير بأنفسكن، والدفاع عن الحق والخير والعدل في هذا الكون.

ظننت أن مهنة التدريس قد تكون طريقتي لمحاولة تغيير البعض تغييراً جذرياً.

لهذا السبب أنا على استعداد لأكون معلمتكن مرة أخرى، فأنا كمعلمة، أُعلّم وأتعلم في يوم واحد أكثر مما قد تتعلمه البعض في الحياة.

أجد في كل يوم تحدياً، ومتعة، وحماساً، وحاجة، وإلهاماً.

ولكن!!

قد لا أُدرّس مرة أخرى، لكنني سأظل أحب العمل في مجال ومشروع التدريس الإنساني.

أنا محظوظة لأنني حظيت بالتجارب التي مررت بها.

أتمنى لو أستطيع إحداث فرقٍ وتميز مرة أخرى بالطريقة نفسها.

مثل البعض والكثير منا، ولكوني كاتبة، ومعلمة، وممارسة لليوغا بين حين وآخر، أستمد إلهامي من تجاربي الشخصية، ومن قصص العديد ممن شاركوني إياها.

أنا ممتنة وسعيدة للغاية لكوني أستاذة محبة للجميع، فلا تزال الكثيرات ترغب في حضور الدروس الإنسانية إن أتيحت لنا الفرصة نكون معاً مرة أخرى!

حيث كان أسلوب التدريس أسلوباً استثنائياً تماماً.

شكراً للجميع، أقدر كرمكم، وأتطلع إلى قراءة المزيد من كتاباتي وحضور دروسي.


error: المحتوي محمي