08 , أغسطس 2026

القطيف اليوم

كيف صنعت الكرة جمهورها؟

في كأس العالم، ترى الشابَّ موسوعةً لا تُغلق، وذاكرةً لا تُرهق؛ يعرف أسماء اللاعبين، وأعمارهم، وأنديتهم، ورواتبهم، وإصاباتهم، وانتقالاتهم، ويحصي أهدافهم كما تُحصى الكنوز، ويحفظ تصريحاتهم كما تُحفظ الرموز. يعرف موعد المباراة باليوم والساعة والدقيقة، ويُهيّئ لها المجلس والشاشة والضيافة والطريقة، ويبحث عن أجمل نقل، وأفضل معلّق، وأهدأ مكان، وأشهى طعام.

وليس هذا شابًّا في حيّ، ولا جماعةً في نادٍ، بل عالمٌ قد جرى إعداده، وإعلامٌ قد أُحسن بناؤه، وتسويقٌ قد أتقن إغراؤه؛ حتى أصبحت المباراة موعدًا لا يُؤجَّل، وحدثًا لا يُهمَل، ورحلةً تُدفع فيها الأموال، وتُستهلك من أجلها مدّخرات الأعوام.

ولسنا نلوم الشباب على متعةٍ مباحة، ولا ندعوهم إلى هجر الرياضة والساحة، ولكننا نتساءل: كيف نجحت الكرة في بلوغ العقول والقلوب، بينما بقي كثيرٌ من خطاب الدين خلف الأبواب والحجُب؟

تسأل أحدهم عن هدفٍ سُجّل قبل أعوام، فيذكر الدقيقة والملعب والحارس والختام، ثم تسأله عن آيةٍ من كتاب الله، فيضطرب لسانه، ويغيب بيانه. تسأله عن حكمٍ يحتاجه في بيعه وشرائه، فلا يعرف حلاله من اشتباهه، وتسأله عن رحمه، فلا يعرف قريبًا ولا نسيبًا، وعن أئمة المسلمين وعلمائهم، فيعطيك جوابًا غريبًا.

قد يدفع آلاف الريالات في تذكرةٍ وسفرٍ وسكن، ثم يرى الصدقة مغرمًا، والزكاة نقصًا، وإعانة المحتاج ثقلًا ووهنًا. يشتري قميص لاعبٍ بثمنٍ مرتفع، ثم يقف أمام صندوق طماطم بعشرة ريالات، ويصيح: قد اشتعل السعر وارتفع!

فهل المشكلة في الشباب، أم فيمن عرف كيف يصل إليهم ومن لم يعرف؟ لقد نجح إعلام الرياضة لأنه خاطب الحماس، وصنع النجوم، وكرّر المشاهد، وروى القصص، وأطلق المسابقات، وقرّب المعلومة، وزيّن العرض، وربط المشجع بفريقه منذ الصغر، حتى صار الانتماء عادةً، والمتابعة عبادةً من نوعٍ آخر.

فلماذا لا يتعلّم الإعلام الإسلامي من هذه الصناعة؟ لماذا لا نقدّم سيرة النبي وأهل بيته وأعلام الأمة بأسلوبٍ حيّ، وصورةٍ مؤثرة، وقصةٍ مشوقة، وبرنامجٍ متجدد، ومسابقةٍ جاذبة، ومنصةٍ قريبة من الشباب؟ لماذا لا نُعرّفهم بأبطال بدر والخندق كما يعرفون أبطال الملاعب؟ ولماذا لا نجعل حفظ القرآن إنجازًا يُحتفى به، وصلة الرحم بطولةً يُشاد بها، والصدقة هدفًا يُصفّق له، وحسن الخلق كأسًا يتنافس الناس عليها؟

قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾، والحكمة ليست في صحة الرسالة وحدها، بل في جمال الوسيلة، وحسن التقديم، ومعرفة الجيل، وفهم الطريق الطويل.

إن كان الإعلام قد استطاع أن يجعل شابًّا يسهر من أجل مباراة، أفلا يستطيع إعلامٌ واعٍ أن يجعله يسهر مع آية؟ وإن كان قد جعله يحفظ أسماء اللاعبين، أفلا نستطيع أن نجعله يحفظ أسماء الصالحين؟ المشكلة ليست أن الملاعب جذبتهم، بل أن كثيرًا من منابرنا لم تعرف كيف تستقبلهم.

فلنترك جلد الشباب، ولنبدأ بإصلاح الخطاب؛ فالدين عظيم، ولكن العظيم يحتاج إلى إعلامٍ حكيم، وعرضٍ كريم، وصوتٍ يصل إلى القلب قبل الأذن، وإلى العقل قبل العين.


error: المحتوي محمي