08 , أغسطس 2026

القطيف اليوم

محراب التكوين (١) أسرار المعراج

إن البحث والتأمل فيما ورد في حق الصلاة، وبيان أسرارها وثمارها التقوائية في الروايات الشريفة، يُعدّ منطلقا أساسا لبيان مقامات الصلاة ومكانتها وخصوصيتها، فالصلاة تخطيط إلهي لبناء شخصية الإنسان في أقواله المتصفة بالصدق والوضوح، وكذلك في أفعاله الدائرة في ميدان الأمانة والاستقامة والخوف من الله تعالى، واستحضار الوجود الإلهي في جميع شؤون حياته .

وهكذا يتبين أن الصلاة نظام وجودي يعيد ترتيب علاقات الإنسان بخالقه في محراب العبادة والطاعة، كما يعيد تنظيم علاقاته بالآخرين وفق مسار احترامهم وحفظ حقوقهم المعنوية والمادية، ومن هنا ينتقل الذهن إلى التساؤل الجوهري حول السر في كون الصلاة عمود الدين والأساس الذي يقوم عليه بنيانه، وما ذاك إلا لأنها محطة التزود الإيماني والروحي، وميدان الشعور الحقيقي بالعبودية، والانطلاق في الرحلة المعرفية داخل محراب الطاعة للخالق المنعم .

كما أن مدار حساب العباد يوم القيامة وأساسه، وأول ما يُحاسب عليه الإنسان، هو الصلاة، وكأنها قد اختُزلت فيها جميع قيم الدين الحنيف ومعالم بناء الشخصية الإيمانية. وقد ورد في الروايات الشريفة وصف الصلاة بأنها معراج المؤمن، أي طريقه إلى معارج التكامل ومدارج السمو والارتقاء، حتى تترسخ في النفس معاني الورع عن المحارم، ويقظة الضمير، والاستنارة بنور الخوف من الله تعالى .

وفي نصوص أخرى وُصفت الصلاة بأنها قربان كل تقي، أي الطريق الذي يسلكه المؤمن لنيل مقام القرب من الله تعالى والفوز برضوانه. وهذه النصوص الشريفة، وغيرها، تشير إلى الحقيقة التكوينية للصلاة، وأنها مسلك نحو عالم التكامل، وطريق للتحرر من ربقة الرذائل الأخلاقية. فالصلاة ـ حين تبلغ مرتبة القبول ـ تصبح حركة وجودية تصعد بالإنسان من عالم الطبيعة إلى عالم القرب الإلهي، وتنقله من سلطان الشهوة، أي الحياة الخاضعة للغرائز والملذات، إلى سلطان العقل والإرادة الواعية والبصيرة النافذة، فيتحرر من أسر الأنا إلى رحاب العبودية، والاتصال بالقوة المهيمنة على الكون وما فيه .

وقد ركز القرآن الكريم على هذه الحقيقة، أعني كينونة الصلاة وأسرارها، حين ربط بين إقامة الصلاة وبين دورها التربوي في تهذيب النفس، فقال سبحانه وتعالى : ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ۗ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾{ العنكبوت الآية ٤٥ } .

فالآية الكريمة لا تجعل النهي عن الفحشاء والمنكر أمرا خارجا عن حقيقة الصلاة، وإنما تجعله أثرًا ذاتيًا لها إذا أُديت مع حضور القلب، واستحضار معانيها، والتفاعل مع أسرار أجزائها. فالصلاة التي تتحقق بحقيقتها ومضامينها السامية لا يمكن إلا أن تُنتج إنسانا مختلفا في وعيه وإدراكه؛ فتنصرف نفسه عن الانشغال الدائم بملذات الدنيا والتعلق بها، وتسمو أخلاقه، فيتحرر من ربقة الأنانية والتكبر وشح النفس، كما تنعكس آثارها المعنوية على سلوكه وتعاملاته، فيقوم بناؤه الاجتماعي على الاحترام والإحسان وحفظ الحقوق .

ومن هنا تتجلى الرؤية القرآنية والروائية المتميزة لمكانة الصلاة وتأثيرها في تكوين شخصية الإنسان بجميع أبعادها المعرفية والأخلاقية والاجتماعية؛ إذ تمثل الصلاة مدرسة متكاملة لبناء الإنسان الرباني، الذي يجسد في واقعه العملي تلك المضامين الروحية والتربوية التي يعيشها في محراب الصلاة ، فالتكوين و بناء الشخصية الإيمانية ليس مجرد إصلاح السلوك الظاهري، بل إعادة بناء البنية الداخلية للإنسان؛ بحيث تتحول الصلاة من عمل يؤديه البدن إلى قوة تكوينية تعيد تشكيل العقل والقلب والإرادة، حتى يصبح الإنسان صورة عملية للقيم التي يعيشها في محراب العبادة .


error: المحتوي محمي