05 , أغسطس 2026

القطيف اليوم

حينما ندعو الله ولا نأخذ بالأسباب

الدعاء أمر من الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدۡعُونِیۤ أَسۡتَجِبۡ لَكُمۡ﴾، وفي الوقت نفسه أمرنا أن نأخذ بالأسباب وأن نعمل بها، قال تعالى: ﴿وَقُلِ ٱعۡمَلُوا۟ فَسَیَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمۡ وَرَسُولُهُۥ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ﴾… الآية، فمن جمع بين صدق الدعاء وحسن العمل كان أقرب إلى بلوغ مراده، أما من اكتفى بالتمني ونام على وسادته وانتظر النتائج دون بذل جهد، فقد خالف ما سنه الله تعالى في عباده.

يُحكى أن فلاحًا اشترى شجرةً نادرة، وزرعها بجانب عشته المبنية بسعف النخيل في أطراف بستانه الجميل، لكنه لم يسقها الماء ولم يتعب على رعايتها والاعتناء بها، واكتفى بالجلوس إلى جانبها كل يوم والدعاء لها بفنون الدعوات، والطلب من الله تعالى بأن يحفظها مثل باقي الأشجار الموجودة في البستان التي يرعاها ويتعب على تغذيتها وريها بالماء يوميًا.

بعد عدة أيام بدأت تلك الشجرة بالذبول واصفرار أوراقها، ومن ثم موتها، والحكمة من هذه الحكاية هي: أن الدعاء لا يُستجاب من الله تعالى من دون الأخذ بالأسباب الطبيعية التي يجب أن يعمل بها الفلاح لكي يُستجاب دعاؤه، وهي: أن يغذي الشجرة ويسقيها الماء، ويحميها من المؤثرات الخارجية كالحرارة وغيرها، إلى جانب الدعاء لها بالنمو لكي تكبر وتثمر مثل باقي أشجار البستان.

لن تنمو الشجرة وتكبر لتأتي بثمرها عقب دعاء الفلاح إلى جوارها فقط، بل حين يبدأ في تقديم المساعدة الفعلية لها، مع علمنا بأن الدعاء قد يكون من أعظم أسباب التوفيق، لكنه لا يغني عن العمل والسعي على رعاية الشجرة، فمن يجلس إلى جوار شجرة مزروعة، ويدعو لها بالنمو دون أن يسقيها أو يحميها أو يهيئ لها البيئة المناسبة فلن يرى منها ثمرة، لأن الله تعالى جعل للدعاء مكانته، وجعل للعمل والأخذ بالأسباب ثماره، ولا تعارض بين الأمرين، بل يكمل أحدهما الآخر.

وهذه الحكاية تنطبق على كثير من أمور حياتنا؛ فكم من الدعوات تُرفع إلى الله كل يوم مطالبةً بتغيير حال الناس، والابتعاد عن الغيبة والنميمة وغيرها من الأمراض الاجتماعية المنتشرة بينهم، لكن الناس لم يأخذوا بالأسباب ويعملوا على تغيير ما في أنفسهم، وكم وكم… فالأمنيات وحدها لا تصنع واقعًا، والدعاء الذي لا يصاحبه عمل قد يضيع أثره بتقصير صاحبه، قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا یُغَیِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ یُغَیِّرُوا۟ مَا بِأَنفُسِهِمۡ﴾.

فمن هنا علينا أن نبتعد عن الغيبة والنميمة وكره الآخر، ونحمل ثقافة التسامح والاعتذار فيما بيننا، سواء في البيت أو في المدرسة أو في الشارع أو في علاقاتنا الإنسانية وفي أي مكانٍ آخر، فلا يكفي أن نقول إننا متسامحون فيما بيننا، ثم نهمل الاعتذار والاهتمام والاحتواء والتسامح، فالمشاعر بين الناس كالنباتات تحتاج إلى ضوء ورعاية مستمرة، وإلا ذبلت وماتت مهما كانت بداياتها الجميلة.

الدعاء أمر من الله، قال تعالى: ﴿ٱدۡعُونِیۤ أَسۡتَجِبۡ لَكُمۡ﴾، وفي الوقت نفسه أمرنا أن نأخذ بالأسباب وأن نعمل بها، فمن جمع بين صدق الدعاء وحسن العمل والنية الصالحة كان أقرب إلى بلوغ مراده، أما من اكتفى بالدعاء والتمني ونام على وسادته وانتظر النتائج دون بذل جهد، فقد خالف ما أراده الله تعالى من عباده في هذه الحياة، قال تعالى: ﴿وَقُلِ ٱعۡمَلُوا۟ فَسَیَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمۡ وَرَسُولُهُۥ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ﴾… الآية.

خلاصة الكلام هي: أن الدعاء يفتح لك الأبواب ويسهلها بأمر الله، لكن العمل هو الذي يطرقها لتنال مطلوبك، ولهذا كان على الفلاح ألا ينتظر أن تكبر الشجرة وتأتي بثمرها بمجرد الدعاء بجوارها، بل بسقيها وتغذيتها والاعتناء بها لكي تنمو وتكبر بتوفيق الله تعالى.


error: المحتوي محمي