04 , أغسطس 2026

القطيف اليوم

لم تتخرج يا بُني

سمعتُ عبارةً جميلةً أرى أنها صائبة إلى حدٍّ كبير هي: من يعمل في وظيفة يقضي غالبًا ثماني إلى عشر ساعات يوميًّا في عمله، ومن يبحث عن وظيفة ينبغي أن يقضي القدر نفسه من الوقت يوميا في البحث عنها حتى يجدها. ومن هنا أقول لكل خريج: لا تظن أن تخرجك قد اكتمل بمجرد استلام وثيقة الجامعة؛ فالتخرج الحقيقي لا يكتمل إلا بالوظيفة الأولى. ففيها تتحول المعارف النظرية إلى خبرة عملية، وبعد عامين تقريبًا تصبح شهادتك الجامعية معبرةً عن تخصصٍ مارسته، لا عن تخصصٍ درسته فحسب. ولهذا أرى أن كثيرًا من الخريجين يخطئون حين ينظرون إلى الوظيفة الأولى على أنها مصدر دخلهم المستقبلي، فإذا كان راتبها متواضعًا تذمروا منها ورفضوها بحجة أنها دون المستوى. ولو أنهم نظروا إليها على أنها مرحلة تدريب وبناء للخبرة، لتلاشت تلك النظرة، ولأدركوا أن قيمتها الحقيقية ليست فيما تمنحه اليوم، بل فيما تفتحه لهم غدًا من آفاق.

في اعتقادي لا تقتصر قيمة الوظيفة الأولى على ما تمنحه من خبرة علمية ومهارية، بل تمتد إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فهي المدرسة التي يتعلم فيها الإنسان طبيعة بيئة العمل وكيفية التعامل مع الناس. ففيها قد تعمل مع مدير عادل أو ظالم، هادئ أو حاد الطباع، متفهم أو عنيد لا يقبل النقاش، وتتعلم كيف تتكيف مع كل شخصية دون أن تفقد احترامك لنفسك أو مهنيتك. وفيها تدرك أيضًا أن الكفاءة وحدها لا تكفي، وأن الانطباع الأول له أثر لا يُستهان به؛ فطريقة الحديث، ولغة الجسد، واللباقة، وحسن المظهر، والقدرة على التواصل، كلها مهارات تؤثر في نظرة الآخرين إليك، وقد تفتح لك أبوابًا لا تفتحها الشهادات وحدها. وستكتشف كذلك أن الجدية لا تُفهم من الكلمات فحسب، بل من السلوك أيضًا؛ فمن يتحرك بنشاط، ويُحسن إدارة وقته، ويمنح كل عمل ما يستحقه من اهتمام، يترك في النفوس انطباعًا يختلف كثيرًا عمن يبدو متثاقلًا أو غير مبالٍ، مهما تشابهت كفاءتهما. إن صناعة الصورة المهنية الجذابة فنٌّ لا يُدرَّس غالبًا في قاعات الجامعة، وإنما يتعلمه الإنسان في ميدان العمل، بالممارسة، ومراقبة الناجحين، والتعلم من الأخطاء، حتى يكتمل تكوينه المهني.

اعلم يا بُني أن وظيفتك الأولى ليست مجرد مصدر رزق، بل هي الفرصة التي يكتمل بها تعليمك. فلا ترفضها لأنها لا توافق طموحك المالي أو الاجتماعي، بل أقبل عليها بعقل المتعلم، واجتهد فيها كما كنت تجتهد في قاعات الدراسة. فإذا نظرت إليها على أنها امتداد لرحلتك التعليمية، فثق أن أبوابًا أوسع ستُفتح لك في المستقبل بإذن الله. أما إذا أصررت على ألا تبدأ إلا بمنصبٍ كبير أو مسؤوليةٍ عالية، فإني أخشى أن يسبقك قطار الزمن، فإذا بزملائك الذين بادروا إلى اكتساب الخبرة قد أصبحوا قادةً ومديرين، بينما لا تزال أنت تنتظر الفرصة التي رسمتها في خيالك. فالشهادة تفتح الباب، أما الخبرة فهي التي تُبقيه مفتوحًا.


error: المحتوي محمي