في إحدى ليالي الشتاء الباردة من عام 1954م، لم تمنع نُتَفُ الغيوم المتجولة من حجب ضوء القمر، المتربع في سماء القطيف.
فالنسوة في بيت جدي "منصور" يترقبن حدثاً جديداً طال انتظاره. كانت الساعات تمضي ببطء، والفجر يقترب بخُطى مختالة. امتزجت الصورة البهية بين فجرٍ يطلّ، وقمرٍ باسم، وشعاع شمس ذهبية تلامس السماء.
مدّت الحبابة "أم أحمد" بصرها إلى الأفق البعيد، رافعة أكفها، متضرعة إلى الله أن يرزقها حفيداً يكون عوناً لابنها "مهدي".
وما هي إلا دقائق حتى هللت النسوة بقدومه، وكبّرن فرحاً. ونزلت دموع الفرح من عيني أمه "معصومة".
وهاهو الوليد يأخذ اسم جده دون نقاش.
قالت أمي: "اليوم لا يعادله يوم"، فالسعادة زارت بيتنا في أجمل الأوقات، ونشرت ضياءها مستبشرة بقدوم الوليد الجميل، ذي العينين البنيتين، والشعر الأسود المسترسل تتهادى خصلاته الأمامية برقة على جبينه المتناسق.
لم تنقطع التبريكات والتهاني، ولم تتوقف الأهازيج طوال أسبوع كامل، رغم عدم مرور زمن طويل على وفاة الجد "منصور". ولكنها دورة الزمن: منصور الجد ترجّل عن صهوة جواد العمر، والتحق بركب الراحلين إلى الرفيق الأعلى، والقادم الجديد هو من يحمل رسالته.
لم ينتظر والده "مهدي" طويلاً، فقد تسلم برقية وصول المولود السعيد "منصور" وهو في الظهران. ونزل مع الحافلة الأسبوعية التي تقل عمال أرامكو إلى القطيف، فازدادت الفرحة بقدومه.
"أخيراً تكحلت عيناه بقدوم الصبي"، بعد أن رُزق قبلها بثماني سنوات بابنته البكر "نجيبة"، وبعدها بأربع سنوات بابنته "شفيقة".
جلس يوماً كاملاً يحتضن بناته والرضيع "منصور"، مشفقاً على زوجته "معصومة" من تعب المخاض الطويل، ولو أنه لم يلمس منها سوى وجهٍ مشرقٍ بنور الفرح والسرور.
ولأن لكل إنسان قدره، والأيام لا يُؤمن غدرها، وكل شيء بحساب طال أم قصر، كانت نهاية الأسبوع التي قضاها الأب "مهدي" مطمئناً إلى خلفه، والعودة إلى الظهران لمتابعة عمله، نهايةً مأساوية.
فلم يدم الفرح إلا أياماً قليلة، ولم تمنحه السماء فترة كافية للتمتع بتربية طفله "منصور"، أو حتى لشراء ما يلزمه من ملابس. فكانت رؤيته له واحتضانه الأولى والأخيرة.
وحتى عندما هم بمغادرة عتبة البيت، رجع مرة وألقى على الرضيع "منصور" نظرة صاحبها دمعة انزلقت على خده، حتى ظنّتها أخواته دمعة فرح، ولم يدرين بما يخفيه القدر!
ففي طريق العودة، وبعد أن أمضى قرابة يومين بالقرب من أسرته، اختاره الله إلى جواره في حادث أليم في الحافلة التي ستقله إلى مكان عمله في شركة أرامكو بالظهران.
فحلت الفاجعة، وانكسرت الأفئدة، ولم تغرب شمس ذلك اليوم إلا وقد خيّم على القطيف ألمٌ لن يُمحى من الذاكرة، باعتباره أول حادث حافلة في القطيف، إن لم يكن على مستوى المنطقة بأكملها!
يُتّم على إثره ليس أبناءه وزوجته فحسب، بل أصاب أركان الأسرة قاطبة، وحوّل النهار إلى ظلمة قاسية.
مضت حياة الأسرة مثقلة بالجراح، دموع تنزف. وزادها الألم عندما احترق المنزل في واقعة "حريق القلعة"، ومآسٍ أخرى ضمن ابتلاءات الزمن. ولكن الأيام كانت كفيلة ببلسمة بعض ندوب المصائب.
ولأن الحياة ماضية، والأحزان وإن خبت بين الأضلاع إلا أن سعيرها لا ينطفئ، ولأن الزمن صراع لا ينتهي، كان لابد للصبي "منصور" وأخواته الصغيرات أن يحيوا بأمان تحت كنف أسرة قررت تحدي النوائب، والتطلع إلى بناء مستقبل يليق بالتحديات.
فتكاتفت الأسرة بشكل قل نظيره. الأم "معصومة" سارت بشجاعة تشق دروب الحياة، وحمواتها وقفن معها وقفة جبل شامخ أمام رياح الحياة العاتية وأمواج الزمن المتلاطمة، يداً بيد.
وعمه "أحمد" أصبح اليد الحنونة. فبعطفه وكرمه ومحبته كان الأب والعم معاً، بذل كل ما في جعبته من مال ومحبة ووقت. حتى ظننا ونحن نكبر سوياً أن خالي "أحمد" هو أب "منصور"، لولا شهادة المرحلة الابتدائية التي كشفت السر المدفون، وظهر اسمه الطبيعي: *"منصور مهدي المتروك"*.
سارت الأيام، وكبر الصبي "منصور"، الذي قلب الصورة المعتمة في المنزل، وحولها بمرحه ونشاطه ومزحه وسرعة بديهته إلى شعلة من البهجة والفرح.
وخصوصاً مع مرور السنوات وكبر أسرتنا، فأصبحنا إخوة. ورغم أن لكل فرد منا قيمته، فقد تميزت أسرتنا دوماً بالتلاحم المتين، ذلك البناء القوي الذي كان له أثر كبير في حياتنا.
وبعد خمس سنوات ونصف من حادث رحيل والده "خالي"، داهمتنا مآسي الدهر مرة أخرى. ففي ذلك العام شهدت القطيف حادثة مأساوية بمقاييس ذلك الزمن، حيث انهار علينا منزل "مستأجر" بعد احتراق منزل الجد "منصور"، ونحن لم نبلغ بعد السادسة من عمرنا.
وذهب ضمن الضحايا: والدة الطفل "منصور"، إلى جانب والدة الأخوين "عبدالرزاق وحسن البريكي"، ومعهم أخي الأصغر "طلال".
وعلى أثر الحادث رقدت الوالدة على سرير المرض لمدة تسع سنوات، وكانت مأساة أخرى تضاف إلى مآسي الأسرة. وكنا برفقتها ونحن صغار أنا والأخ "منير" حتى وافاها الأجل، بعد صراع مرير مع المرض.
لم تُثنِ تلك السنوات العصيبة "منصور"، ولم تكسره الأيام، ولم نشعر جميعاً باليُتم.
فقد كانت "حبابتنا" أم أحمد، ومعها ابنتها "الأم" فاطمة، أم الإخوة: "خالد، والمرحوم زكي، وجمال" أبناء الرجل الفاضل العظيم "محمد محسن الخميس"، قد وقفوا وقفة قل نظيرها في رعاية "منصور" وبقية الأطفال، وجعلوه "الطفل الأبرز"، ولكن المحبة شملتنا جميعاً دون تمييز.
مضت بنا الأم "فاطمة أم خالد"، وكانت بمثابة أمنا جميعاً، احتضنتنا كما تحتضن الأم صغارها دون تمييز.
وطالما أن هذا الموضوع مخصص لفقيدنا الغالي "منصور"، أقول:
إن نهج الكرم، والعطاء، والتفاني، والأخلاق الحسنة الراقية، ودفاعه عن البسطاء والمقهورين، ورغبته الدائمة في تطوير نفسه، لم تأتِ من فراغ. ولم تكن محض صدفة أن يتمتع أفراد أسرتنا من آل "المتروك" بالقدر نفسه من التضامن، وحب الخير، والشعور العميق بمآسي الآخرين، القريبين منهم والبعيدين.
نم يا حبيبنا وأخانا "منصور" في تربتك الطاهرة قرير العين.
فمحبتك التي لا يجادل فيها كل من عرفك، انعكست على حجم الحضور، والسيل الهادر من الناس الذين كانوا يواصلون الليل بالنهار دون توقف.
وكان الأثر الأبرز لمجموعة أصدقاء "منصور" وأصدقاء العائلة الذين وقفوا وقفة رجل واحد في المساندة والمؤازرة.
ويتساوى معهم صديقات وأقارب زوجته الفاضلة الأخت "منى"، التي كانت السند الأبرز، حيث رافقت كل تفاصيل رحلة العلاج إلى أن وافاه الأجل المحتوم.
إلى روحه المحبة والسلام، وإلينا الصبر والاحتساب في فقيدنا الغالي "الكابتن منصور".
إنا لله وإنا إليه راجعون.



