12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

على السجادة

لا أعرف ما الذي شدّ انتباهي أولًا…

هل هو الغسق الذي كان ينسحب بهدوء بين الأشجار.. أم تلك السجادة التي لم أرفعها بعد من الأرض.. أم أول نباحٍ شقَّ سكون المزرعة ثم ما لبث أن لحقته نباحات أخرى حتى خُيّل إليَّ أن المكان كلَّه استيقظ دفعة واحدة.

رفعت رأسي..

لم أرَ أحدًا..

ولا حدث ما يستدعي كل ذلك..

ومع هذا.. كانت الكلاب تتعامل مع اللحظة وكأنها تخبر عن مرحلة جديدة من اليوم.

عدت إلى البيت.. ولم يحملني السؤال إلى الكلاب…

حملني إلى الإنسان..

تبيّن لي بعد البحث أن كثرة نباح الكلاب مع اقتراب المغرب ليست حكاية يتناقلها الناس فحسب. لهذا الوقت خصوصيته حيث تتبدل فيه الإضاءة وتكثر الحركة وتعود الطيور إلى أوكارها وتخرج مخلوقات تبدأ نشاطها مع أول العتمة فتتسع دائرة ما تلتقطه حواس الكلب - أجلكم الله - فيزداد انتباهه ويكثر إنذاره. ليست كل الكلاب سواء وليس الأمر قاعدة لا تتخلف غير أن المشهد يتكرر في أماكن كثيرة حتى صار مألوفًا لمن عاش قريبًا من المزارع أو الأطراف.

أغمضت عينَيَّ…

وعدت بذاكرتي إلى تلك السجادة..

لم أستطع أن أتذكر آخر مرة سمعت فيها ذلك النباح..

مع أنني على يقين أنني سمعته عشرات المرات.

الغريب أن الأشياء لا تبدأ حين ننتبه إليها.. فهي هناك منذ زمن..

نحن الذين نتأخر.

لعل النباح لم يتغير والمغرب لم يتغير ولعل المزرعة أيضًا بقيت كما هي..

الذي تغيّر… إنسان فرغ لتوّه من صلاته وجلس دقائق لا يريد من الدنيا شيئًا.

وربما لهذا وصلت تلك النباحات إلى مكان لم تكن تصل إليه من قبل..

وربما لهذا لم يبقَ في ذاكرتي ذلك المساء شيء أوضح من تلك النباحات.

أعرف اليوم لماذا كانت تنبح..

لكنني لا أعرف لماذا بقيت أنا أسمعها.

ومنذ ذلك المساء…

كلما تذكرت النباح.. لم أتذكر الكلاب.

تذكرت السجادة.


error: المحتوي محمي