القرار المناسب والمتوافق مع قدرات الإنسان، والقراءة الواقعية للمعطيات على الأرض والاحتمالات والاتجاهات المتاحة، يبتني على زاد معرفي استطاع هذا الفرد أن يحسن توظيفه واستثماره بشكل عملي، واستخراجه من النطاق النظري. وهكذا تكون المعلومة ذات جدوى ومنفعة إذا وُضعت على سكة ميدان العمل، وقد تتحول إلى عبء إذا افتقد صاحبها القدرة على توظيفها في موضعها الصحيح والوقت المناسب لها. فالبعض يلحقه الإخفاق لا لافتقاره إلى المعلومة والثقافة الواسعة والمعرفة المعينة له في مواجهة الظروف الحياتية الصعبة، لكنهم أخفقوا في اتخاذ أبسط القرارات؛ لأن المعرفة لم تتحول في داخلهم إلى وعي وبصيرة ونظرة شاملة للإمكانات والآثار المترتبة على الخطى والمعالجات.
بناء العقل الواعي هدف مهم للنظرات والأهداف الحياتية، فقبل أن نحدد طريقة التفكير وتحديد تلك العوامل الهدامة، علينا أن نحكم المدركات العقلية، وإعداد البحث الجاد لكل مشكلة أو إخفاق نمر به. فالشخصية المتزنة لا تأتي من فراغ، بل تتكوّن من معارف وفكر جاد وإرادة قوية وصلبة يتم توظيفها في ميادين العمل والإنجاز. فقد نجد إنسانًا لم يتبحّر في فنون العلوم، لكنه أوتي عقلًا راجحًا وفطرة سليمة وقدرة على قراءة المواقف بوعي واتزان، وهذا اللون من الحكمة هو ثمرة صفاء العقل وحسن التجربة والاستفادة من العبر، لا مجرد كثرة المطالعات والمحفوظات.
كما أن تلك البصيرة تقوده نحو اتزان في تبادل الأحاديث ووجهات النظر، بعيدًا عن الإسفاف وتضييع الأوقات في الجدالات العقيمة، بل يعمل جاهدًا على توجيه قدراته وإمكاناته لاتخاذ المسارات والقرارات المناسبة والحاسمة، بعيدًا عن التردد والتسويف. فالعبرة في الخطوات هي ما ينتج عنها من آثار، وأما تلك العناوين الرنانة فلا تخدع أصحاب العقول الراشدة. ولهذا نرى أن كثيرًا من الناجحين في حياتهم امتلكوا بصيرة في اختيار المواقف، وصبرًا في مواجهة الأزمات، وحكمة في التعامل مع الناس، فهم لا يتسرعون في الأحكام، ولا ينجرفون خلف العواطف العمياء أو الضغوط الحياتية.
العقل الواعي هو أساس النجاح والتقدم وإثبات الوجود، وهذا التفكير الحسن هو الأساس في إصدار التصورات والأحكام، والبناء عليها في الخطوات العملية في مختلف ميادين الحياة الثقافية والاجتماعية والمهنية. ومن طرق التفكير الناقد ملكة توجيه السؤال وطلب الإجابات المقنعة قبل تكوين وتشكيل ذلك التصور كمعلومة قطعية (يقينية)، فيجعل من البحث عن الدليل عادة راسخة لا تنفصل عن مسيرة المعرفة والتعلم.
فعندما يعتاد الإنسان على الاستنتاج والاستقراء والتحليل والبحث عن العوامل المؤثرة، يصبح أكثر قدرة على تكوين النظرات الواقعية والتمييز بين الحقيقة والوهم. فالتربية الناجحة التي تشجع النقد المسؤول لا تربي شخصًا معترضًا على كل شيء، بل تربي إنسانًا متزنًا يزن الأفكار بميزان العقل والمنطق، بعيدًا عن التقليد الأعمى والانقياد للعواطف والشائعات. وأما العقل الناقد فهو أقدر على اتخاذ القرارات الحكيمة في المواقف المختلفة، ويؤسس لشخصية واعية وقادرة على مواجهة تحديات الحياة بثقة وبصيرة.



