كم مرة خرجت من مكتبك في نهاية الدوام وأنت تشعر بتعب لا يتناسب مع ما بذلته من جهد؟ لم تحمل شيئًا ثقيلًا، ولم تمشِ مسافات طويلة، وربما لم تغادر مقعدك إلا مرات قليلة، ومع ذلك تشعر وكأنك أنجزت يومًا شاقًا. هذه الشكوى أسمعها كثيرًا، وهي ليست مجرد إحساس عابر، بل لها تفسير علمي واضح.
اعتاد كثير من الناس أن يربطوا التعب بالحركة والجهد العضلي، لكن الجسم قد يُرهق أحيانًا بسبب قلة الحركة. فالإنسان لم يُخلق ليبقى جالسًا ساعات طويلة، بل صُمم جسمه للحركة.
عندما نجلس أمام المكتب أو شاشة الحاسوب لفترات طويلة، تبقى عضلات الرقبة والكتفين والظهر مشدودة، ويقل تدفق الدم إليها، فيبدأ الشعور بالتعب والألم تدريجيًا. كما أن الجلوس الطويل يبطئ الدورة الدموية وعمليات الأيض، فتصل كميات أقل من الأكسجين إلى العضلات والدماغ، فيظهر الخمول وانخفاض النشاط رغم عدم بذل مجهود عضلي كبير.
ولا يقتصر الأمر على الجسم، فالعقل أيضًا يستهلك طاقة كبيرة خلال ساعات العمل. فالتركيز المستمر، والاجتماعات، واتخاذ القرارات، والرد على الرسائل، والانتقال بين المهام، كلها تستنزف الطاقة الذهنية. لذلك قد ينتهي يوم العمل بإرهاق عقلي قد يكون أشد من الإرهاق الجسدي.
وتضيف الشاشات سببًا آخر للتعب؛ فالنظر الطويل إليها قد يؤدي إلى إجهاد العينين، وجفافهما، والصداع، وضعف التركيز مع نهاية اليوم.
ومن الأخطاء الشائعة الاعتقاد أن الاستمرار في الجلوس يزيد الإنتاجية. والحقيقة أن العكس قد يكون صحيحًا؛ فالوقوف لدقائق، أو المشي داخل المكتب، أو القيام بتمارين تمدد بسيطة، يساعد على تنشيط الدورة الدموية، وتخفيف شد العضلات، وتجديد نشاط الدماغ. ولهذا يُنصح بالحركة لمدة دقيقتين إلى خمس دقائق كل نصف ساعة إلى ساعة.
ولهذا بدأت كثير من الشركات والمؤسسات الحديثة تشجع موظفيها على الحركة أثناء ساعات العمل. فبعضها يخصص استراحات قصيرة، وبعضها يشجع على الاجتماعات أثناء المشي، أو يوفر أماكن للحركة والتمدد. فالهدف ليس تقليل وقت العمل، بل تحسين صحته وجودة أدائه. وقد أثبتت التجربة أن دقائق قليلة من الحركة تجعل الموظف أكثر تركيزًا، وأقل إرهاقًا، وأكثر قدرة على الإنجاز.
ولا ينبغي إهمال الأمور البسيطة التي تصنع فرقًا كبيرًا، مثل الجلوس بوضعية صحيحة، وضبط ارتفاع الكرسي والشاشة، وشرب كمية كافية من الماء، والتعرض للضوء الطبيعي، والحصول على نوم جيد.
وربما تكون أفضل نصيحة لموظف المكتب ألا ينتظر الشعور بالتعب. قف بين فترة وأخرى، تحرك لدقائق، مدد عضلاتك، وخذ نفسًا عميقًا، ثم عد إلى عملك. ستجد أنك أنجزت أكثر وشعرت بإرهاق أقل.
الخلاصة:
التعب الذي يشعر به كثير من موظفي المكاتب ليس دليلًا على ضعف اللياقة، بل هو نتيجة طبيعية للجلوس الطويل، والإجهاد الذهني، وقلة الحركة. والحل لا يحتاج إلى تغييرات كبيرة، بل إلى عادات بسيطة نمارسها يوميًا.
إن دقائق من الحركة أثناء العمل ليست استراحة من العمل، بل جزء منه. فهي تحافظ على صحة الجسد، وتجدد نشاط الذهن، وتنعكس على جودة الأداء والإنتاجية. فالجسم خُلق للحركة، وكلما منحناه حقه منها، منحنا طاقة أكبر على العطاء.



