12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

طلاق مُتسرع وخُلع متهور 

الزواج ميثاق مقدس يبدأ بعقد قرآن بين رجل وامرأة، باختيار الأول ورضى الأخرى - إذا توفرت شروطه -، وقد بُني على قواعد شرعية موضَّح فيها حقوق وواجبات كل طرف، وما له وما عليه. ومع الالتزام بها، وعدم مخالفتها أو الحيف في تطبيقها، لن تستقر العشرة الزوجية وتستمر بسلام ما لم تُساندها أخلاقيات، في طليعتها المودة والرحمة والتنازلات البينية المتبادلة، ومنها:

أولاً: الزوجة

خدمتها لبيت الزوجية تكون تطوعًا عن طيب خاطر، لا وجوبًا وإلزامًا، طلبًا للثواب من الله تعالى، مع تغاضيها عن بعض حقوقها في حالات غير مخلة بالأصل، مراعاةً لظروف يمر بها الزوج، فضلًا عن المستحبات.

ثانيًا: الزوج

عند قيام زوجته بواجباتها وما تطوعت به على أحسن وجه، عليه شكرها والوفاء والامتنان لما قدمت، وتكرمًا منه يقابل الإحسان بمثله، فيهديها ما يدخل عليها السرور ويرفع معنوياتها ليملك قلبها، مع عدم التركيز والمحاسبة على هفوات عارضة صدرت منها، والاكتفاء بتنبيهها تحاشيًا للتكرار، وعليها السمع والطاعة.

{ إن تعاملا بهذا عاشا حياة سعيدة محفوفة بالورود، سليمة المخاطر }

ثالثًا: الخلافات

لو حُكِّم العقل، ومُكِّن بهدوء من الجلوس على كرسي القضاء الأسري، واستُمع لتوجيهاته العادلة، لانتهت المشكلة، فهو الطبيب المداوي المعالج لهذه الأمراض.

ومن خلال خبرتي الطويلة، يمكن حل أكثر النزاعات العائلية بسهولة، فقط بحوار ودي تسامحي بين الطرفين، دون الوصول إلى مرحلة الخُلع أو الطلاق وقطيعة الأرحام.

أما إذا سلك الزوجان طريقين متعاكسين، مسرعين بلا توقف، ابتعدا أكثر فأكثر، حتى يتجاوزا نقاط التوقف المحظورة، تاركين التشريع والأعراف والأخلاق جانبًا، حتى تصبح المحبة كراهية، والرحمة عداوة، والبيت ساحة حرب بسوس، والكل يقول: “أنا… أنا”.

تمسك الزوج برأيه الخاطئ وهو يردد: “وإن رجع كليب، موقفي عنه لا أحيد، وبالتأكيد لن يرجع كليب.”

لماذا؟

لأنها انشغلت بأعمال بيتية، وتأخر غذاؤه أو تجهيز لوازمه أو تحضير الشاي لأصحابه. هنا يكون ظالمًا، قاسيًا، سيئ الخلق.

وما تحملته وردت بقول: “وإن كان يوسف الصديق جمالًا، لا يجمعني به فراش أبدًا، ولن يكون يوسف كما ذكرت.”

أما إن كانت مكابرة، متسلطة، متعسفة، وحمقاء، طالبة للخُلع إصرارًا وتحديًا، لعدم تلبيته مطلبًا لعجز مالي، أو ترتيب أولويات، أو لمروره بظروف قاهرة، ففي هذه الحالة يجب عليها الصبر والوقوف إلى جانبه، وألا تكلفه ما لا يطيق.

ما ضاقت إلا فرجت.

وإلا كانت مستغلة، جاحدة، متسببة.

ومع ذلك، فعلى الاثنين طرق مختلف الأبواب، لعلهما يجدان حلًا.

ولو تسرع هذا بالطلاق، أو تلك بالخُلع، حينها تُمزق الأسرة، ويتحول البيت إلى خراب، ويضيع الأولاد، ويتشتت شملهم، فلا حضن يدفئهم، ولا قلب يحنو عليهم، ولا ظهر يحميهم، ولا من يرعاهم.

وفي الأخير، يلقي كل طرف باللائمة على الآخر ويقول: “أنت السبب.”

نعم، أحيانًا يتحمل أحدهما كل ما حصل، ويكون الفراق هو الأحسن والأمثل، ولا عنه محيص.

ولكن دون تثبت، يصبح الثاني شريكًا للأول في المشكلة، التي كان بالإمكان إصلاحها لو جلسا - كما أسلفنا -، وتحدثا بتفاهم حضاري.

عتاب من هذا، وتسامح من ذاك، واعتذار متبادل يكسر حاجز العناد، وثغر باسم يفتح القلوب المقفلة المتشنجة.

وبذلك يغلقان صفحة الماضي، ويمسحان ما كُتب فيها من مسببات، حيث أفضى كل واحد بما بداخله لصاحبه، فصفت النفوس من الشوائب، وعُرفت المطالب، ووضحت الحقائق، وعادا حبيبين أفضل مما كانا عليه.

إذًا…

{ لا تسارع بطلاق… ولا تتهور بخُلع }

احسباها صح، واقتنعا قبل أن تُقدما، حتى لا تندما.

وعندها…

“ليت” بعد فوات الأوان، لا تنصب مبتدأً ولا ترفع خبرًا.


error: المحتوي محمي