20 , يوليو 2026

القطيف اليوم

ما لَقُوا إلا نورة؟

لم تنتبه سارة إلى اليوم الذي اختفى فيه اسم نورة.

حدث الأمر على مهل
كما يحدث الغبار فوق الأشياء التي نراها كل يوم حتى نظن أنها لم تتغير.

ففي سنوات زواج أخيها كان اسم نورة يكفي وحده..

إذا قيل..“نورة وصلت”.. عُرف المقصود.

وإذا قيل.. "نورة تعبت”.. سأل الجميع عنها.

وإذا غابت عن مناسبة ..سألوا أين نورة؟

وكان الأمر طبيعيًا إلى درجة أن أحدًا لم يفكر فيه.

فكثيرًا ما يغيب عن العين ما اطمأن القلب إلى وجوده.

ثم وقع الطلاق.

ولم تفهم سارة معنى التغيير يومها..

ففي أول عيد بعد ذلك.. كانت تساعد أمها في ترتيب المائدة.

وعندما اكتمل كل شيء.. التفتت نحو زاوية من المجلس..

زاوية صغيرة لا أهمية لها..

ثم توقفت..

لأنها تذكرت فجأة أن نورة كانت تجلس هناك دائمًا.

لم يكن الكرسي فارغًا..
شغله شخص آخر منذ زمن ولكن الذاكرة كانت أبطأ من الواقع.

مرت السنوات..

وهدأت الحكاية كما تهدأ الحكايات كلها.

غير أن سارة بدأت تلاحظ شيئًا صغيرًا… كلما ذُكر اسم نورة حضرت كلمة أخرى قبله..

كلمة لم تكن موجودة من قبل.. وكأن الاسم وحده لم يعد كافيًا.

في إحدى الليالي كانت تتصفح الصور التي وصلت إلى هاتفها من مجموعة العائلة..

صور أعياد قديمة..

صور رحلات..

صور مناسبات نسي الجميع سبب التقاطها ومتى..

وكان ابنها الصغير يجلس قربها.. يتنقل بين الصور بحماسة من يكتشف عالمًا لم يعشه.

ثم توقف فجأة عند صورة جماعية..

وأشار بإصبعه..

وقال.. 

“هذه نورة"

تأملت الصورة لحظة..

ثم قالت..

“نعم" 

فكر قليلًا..

ثم قال.. 

“كانت زوجة خالي"

بقيت عين سارة معلقة على الصورة وأما الطفل فقد انتقل إلى صورة أخرى.

كان الأمر بالنسبة إليه منتهيًا..

جملة واحدة وأكمل طريقه..

أما هي فبقيت عندها..

“كانت زوجة خالي"..

كم بدت العبارة خفيفة..

وكم حملت في داخلها عمرًا كاملًا.

أخذت تكبر الصورة.. 

كانت نورة تضحك فيها..

الضحكة نفسها التي تعرفها.. كأن السنوات لم تمسّها..
حتى تسرّبت إلى ذاكرتها حكاية صغيرة.

في كل سفر عائلي كانت نورة تحمل حقيبة صغيرة مليئة بالأشياء التي لا يحتاجها أحد… حتى يحتاجها الجميع.

إبرة..

خيط..

مُسّكن..

شاحن إضافي..

مناديل..

وأشياء أخرى لا تعرف سارة كيف كانت تظهر في اللحظة المناسبة دائمًا.

وكان الجميع يسخر من حقيبتها ثم ينتهي الأمر بالجميع يستعيرون منها شيئًا.

كم من التفاصيل الصغيرة تختبئ داخل صورة واحدة.

تفاصيل لا تظهر في العناوين.

وفي الأسبوع التالي حضرت سارة مناسبة عائلية.

وكان الحديث يتنقل بين موضوع وآخر.

ثم ذُكر اسم نورة عرضًا.. وقبل أن ينتبه أحد.. خرجت العبارة.

ببساطة مدهشة.

كأنها خرجت من مكان اعتادت الخروج منه منذ سنوات..

“يعني ما لقوا إلا نورة؟”

استمرت الجلسة..

واستمر الحديث..

ولم ينتبه أحد إلى شيء..

أما سارة فشعرت أن العبارة مرت أمامها ببطء هذه المرة..

وكأنها تراها وتسمعها لأول مرة.

والأعجب  أن قائلتها كانت تعرف نورة منذ سنوات طويلة.

عرفتها في الأفراح..

وفي المناسبات..

وفي الأيام العادية..

وكانت تصفها دائمًا بأجمل الصفات..

ومع ذلك بدت نورة فجأة وكأنها شخص آخر.

مع أن شيئًا لم يتغير فيها.

وفي طريق العودة إلى المنزل راحت تستعيد العبارة كما لو أنها تسمعها للمرة الأولى.

فالناس لا يدخلون زواجًا وهم يجهلون من أمامهم.

يسألون..

عن أهله..

عن أخلاقه..

عن طباعه..

عن سيرته ومؤهلاته..

وتخف حيرتهم كلما ازدادت المعرفة.

ثم يحدث أحيانًا أن يصبح ما كان سببًا للقبول سببًا للحيرة.

مع أن الشيء نفسه يبقى كما هو…

وتختلف النظرات إليه فقط

عادت إلى البيت.

وكان ابنها ما يزال مستيقظًا.. يبني برجًا من المكعبات الملونة.

جلست قربه..

ثم رفع رأسه فجأة..

وقال..

“ماما" 

“نعم؟”

“نورة ما زالت نورة صح؟”

نظرت إليه..

ثم إلى البرج الذي يبنيه..

ثم عادت إليه..

وقالت..

“نعم" 

وأكمل اللعب.


error: المحتوي محمي