13 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

هل ينتهي الدوام عند مغادرة العمل

عندما قرأت للدكتور عيسى العقيلي مقاله الأخير بعنوان الإستشارة الطبية عبر الهاتف والمجالس تناول فيه جانبا من هذه الفكرة فتوقفت عنده كثيرا لأنه أعاد إلى ذاكرتي مواقف عشتها بنفسي وأدركت أن بعض المهن لا تنتهي بمجرد إغلاق باب المكتب أو تسجيل الانصراف بل تظل تلاحق أصحابها أينما ذهبوا

يكفي أن يدخل طبيب إلى مجلس أو ديوانية حتى تبدأ الأسئلة الطبية من كل اتجاه هذا يصف أعراضه وذاك يعرض نتيجة تحليل وثالث يسأل عن دواء ورابع يريد رأيا في عملية جراحية وكأن المجلس تحول فجأة إلى عيادة

ولا يختلف الحال مع أصحاب المهن الأخرى فالمحامي يجد نفسه في جلسة استشارات قانونية والمهندس يتحول إلى مستشار في البناء والمعلم يجيب عن أسئلة الدراسة والاختبارات أما المصرفي فغالبا ما يجلس في فرع بنك متنقل

أتذكر عندما كنت أعمل في المجال المصرفي أن هذا المشهد كان يتكرر معي باستمرار فما إن أجلس حتى يبدأ سيل الأسئلة هذا يريد أن يعرف طريقة فتح حساب وآخر يسأل عن التمويل وثالث يستفسر عن الأسهم ورابع عن البطاقات والخدمات المصرفية ولا ينتهي سؤال حتى يبدأ آخر حتى أشعر أنني لم أغادر عملي وإنما انتقل العمل معي إلى المجلس

في الحقيقة لم تكن المشكلة في الأسئلة نفسها فمن الجميل أن يستفيد الناس من خبرات بعضهم لكن لكل إنسان حق في أن يترك عمله خلفه عندما ينتهي الدوام وأن يعيش ساعات من الراحة بعيدا عن ضغوط المهنة وتفاصيلها اليومية فالعقل أيضا يحتاج إلى إجازة مثلما يحتاج الجسد إلى الراحة

وربما لا ينتبه كثيرون إلى أن السؤال الذي يبدو بسيطا بالنسبة لهم قد يكون صاحب المهنة أجاب عنه عشرات المرات خلال يومه لذلك عندما يسمعه مرة أخرى في وقت راحته يشعر وكأن ساعات العمل امتدت دون مقابل ودون نهاية

من الجميل أن نستفيد من أصحاب الخبرة ولكن الأجمل أن نراعي مشاعرهم وأن نختار الوقت المناسب لطرح الأسئلة فليس كل مجلس مكانا للعمل وليس كل لقاء فرصة للاستشارات فبعض الجلسات خُلقت لتبادل الأحاديث والضحكات وتجديد الطاقة

لعل أجمل ما نهديه للطبيب أو المصرفي أو المعلم أو أي صاحب مهنة عندما نجلس معه هو أن نعامله كصديق لا كموظف وأن نترك له فرصة يستمتع فيها بالمجلس بعيدا عن تخصصه فربما تكون تلك الساعات القليلة هي الإجازة الحقيقية التي كان يبحث عنها طوال يومه…


error: المحتوي محمي